فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 415

زيدٌ أجملٌ مِن عَمرو، وعَمرو خيرٌ مِن زيدٍ، فَزَيْدٌ ما فَضَلَ عَمْرًا إلا في الجمالِ ليسَ إلَّا، وعَمرٌو فاقَ زيدًا في أشياءَ عديدةٍ كقولِنا: هو خيرٌ منهُ، فنسبةُ ما فضلَ عليهِ في الوجهِ الواحدِ بنسبةِ الذي زادَ عليهِ مِن وجوهٍ عديدةٍ، كنسبة صاحبَينِ كانَ خياطةُ ثوبِ أحدِ الصَّاحِبينِ خيرٌ مِن خياطةِ ثوبِ صاحبِه وثوبُ صاحبِه أَرفعُ منها، فأشرفُهما وأرفعُهما في اللباسِ الذي ثوبُه أَرفعُ، وإنْ كانتْ خياطةُ ثوبِ صاحبِه أرفعُ.

وقولُه عليهِ السلامُ: (يَومَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ) الظلالُ كلُّها للهِ مِلْكٌ في الدنيا والآخرةِ، فالحكمةُ في الإخبارِ بهذهِ الصيغةِ هذا لأنَّ ظلالَ الدنيا وإن كانتْ لهُ جلَّ جلالُه فمنها ما قدْ جعلَها مِلْكًا للعبيدِ تملَّكُوها بحسبِ ما شرعَ لهمْ ذلكَ لا يتصرَّفُ فيها أحدٌ إلا برضاهم حكمًا منهُ عزَّ وجلَّ بذلكَ، مثلَ ظلالِ الحدائقِ المُتملَّكَة، وظلالٌ لهُ عزَّ وجلَّ لم يجعلْ لأحدٍ عليها مِلْكًا، فمَن احتاجَ إلى شيءٍ منها أخذَها دونَ عتبٍ له على ذلكَ، مثل الظِّلالِ التي في القَفْر أو التي قد خرجَ أصحابَها عنها للهِ عزَّ وجلَّ وسبَّلُوها لهُ، وظلالُ الآخرةِ ما فيها مباحٌ، بل كلُّها قد تُملِّكتْ بالأعمالِ التي عمِلها العاملونَ الذينَ هداهُم اللهُ بفضلِه لتلكَ الأعمالِ التي تلكَ ثوابُها بمُقتضَى قولِه صلى الله عليه وسلم: (( المُؤمِنُ في ظِلِّ صدقَتِه يومَ القيامَةِ ) ).

فليسَ هناكَ لصعلوكِ الأَعمالِ ظلٌّ، فكأنَّه عليهِ السلامُ يقولُ: ليس هناكَ ظلٌّ إلَّا لمن عملَ هنا لله، فلما أضافَ أعمالَ البرِّ هنا إليهِ كما قالَ عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] ، أي: ما كانَ لوجهِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت