فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 415

فهو باقٍ يَنتفِعُ بهِ صاحبُه في الدارينِ، وما ليسَ لوجهِه فهو وإنْ كانَ نفعُه موجودًا لصاحبِه في هذهِ الدارِ إذا لم يجدْهُ هناكَ حيثُ الحاجةُ إليهِ فهو هالِكٌ، أي: ليسَ ينتفعُ بهِ، وقد ينضرُّ بهِ فيكونُ أبلغَ في الهلاكِ، وإضافَةُ ثوابِها في الآخرةِ إليهِ فيه إشارتان عجيبتان:

(إحداهما) : إلى الإخلاص في العمل، ولهذا قال بعض الفقراء: الصدق والإخلاص علامة الخلاصِ.

(والثانية) : هي ردُّ الفرع إلى أصله بإضافةِ الفرعِ الذي هو الظلُّ إليهِ كما كانَ الأصلُ في الدنيا مُضافًا إليهِ، وهو مِن بديعِ الحكمةِ، ويترتَّبُ على هذا مِن الفقهِ: الحثُّ على الأعمالِ الخالصةِ التي تُوجِبُ هناكَ ذلكَ الظلَّ المباركَ، جعلنا اللهُ ممَّن أجزلَ له منه الحظَّ بمنِّه.

وفيه دليلٌ على عظيمِ قُدرةِ القادرِ جل جلاله، يُؤخَذُ ذلكَ مِن أنَّ الأعمالَ هنا معان، وهناكَ بهذا الخبرِ الصدقِ جواهرُ محسوساتٌ.

وهنا بحثٌ: هل هذهِ السبعةُ خُصَّتْ بهذه المثوبةِ تعبُّدًا لا يُعقَلُ لها معنًى أو هي معقولَةُ المعنى؟ فإنْ قُلَنا: إنها تعبُّدٌ غيرَ معقولةِ المعنى، فلا بحثَ، وإن قُلنا: إن معناها معقولٌ فما هو؟.

فالجوابُ - والله أعلمُ - أنَّ العلَّةَ فيها على وجهينِ:

(أحدُهما) : قوةُ قهرِ النفسِ والهوَى، وهو مِن أكبرِ المُوجباتِ لخيرِ الدنيا والآخرةِ؛ ولأنه جلَّ جلالُه قالَ: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40 - 41] ، وقالَ صلى الله عليه وسلم: (( هبطتُمْ من الِجهادِ الأَصغرِ إلى الجهادِ الأَكبرِ ) )، وهو جهادُ النفسِ.

(والوجهُ الآخرُ) : هو حقيقةُ الإخلاصِ، وقد قالَ جلَّ جلالُه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت