فهرس الكتاب
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ اللهَ لا يَقبَلُ عَمَلَ امرئٍ حتى يُتقِنَهُ ) )، قالوا: وما اتقانُهُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( تخلِّصُه مِن الرياءِ والبِدعةِ ) )، وتركُ الرياءِ هو عينُ الخَلاصِ، وكِلا العلَّتينِ الحامِلُ عليهما خوفُ الله عزَّ وجلَّ، فاختبِرْهما واحدة واحدة تجِدْ ذلكَ.
فأمَّا قولُه عليهِ السلامُ: (الإِمَامُ العَادِلُ) فلأنَّه لا يمنعُهُ مِن الظلمِ وقهرِ نفسه على العدلِ مع تمكُّنِه مِن الظلمِ إلَّا شدَّةُ خوفِه مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد جاءَ الحديثُ عن الذي أمَرَ أهلَه أن يُحرِقُوه إذا ماتَ، فلمَّا ماتَ فعلوا بِهِ ذلكَ فجمعَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ وقالَ لهُ: لِمَ فعلتَ هذا؟ قالَ: من خَشيَتِكَ يا ربُّ، فغفرَ لهُ، فشدَّةُ خوفِه كانَ مُنجِيًا لهُ.
وأمَّا الشابُّ الذي نشأَ في العِبادَةِ، فلأنَّ العبادةَ هي قهرُ النفسِ وخروجُها عن راحتِها وحملُها على المجاهدَاتِ والدوامِ على ذلكَ مع قوةِ شهواتِ النفسِ زمانَ الشبابِ، فما حملَه على ذلكَ إلا الخوفُ الشديدِ، ولذلك يُروَى عن بعضِ المُتعبِّدينَ أنَّه كانَ يأوِي إلى فراشِه فلا يَقدِرُ على النومِ، فيقولُ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أن خوفَ نارِكَ منعني الكرى ثمَّ يقومُ فيصلِّي حتَّى يُصبِح.
وأمَّا المُتعلِّقُ قلبُه بالمساجدِ، فحقيقةُ الإخلاصِ تُوجِبُ تعلُّقَ القلوبِ بالعباداتِ، وأرفعُ العباداتِ الصلاةُ، وأرفعُ ما يكونُ الصلاةُ في المساجدِ، فهو مشغولٌ بأعلى العباداتِ كما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أنَّه كانَ يُسمَّى (حَمَامَ المسجدِ) لكثرةِ مُلازمتِه إيَّاهُ.