فهرس الكتاب
وأمَّا تحابُّ الرجلينِ في اللهِ، فهو يُوجِبُ شدَّةَ الإخلاصِ منهما حتى لم يبقَ للنفسِ شَهوةٌ ولا ميلٌ لشيءٍ مِن الأشياءِ إلا للهِ وباللهِ.
وأمَّا الذي دعتْه المرأةُ ذاتُ المنصبِ والجمالِ فهذا لعظيمِ قَهرِ النفسِ عن هواها، والحامِلُ على ذلكَ شدَّةُ الخوفِ مِن اللهِ.
وهنا بحثٌ لمَ قالَ على المرأةِ مع هذينِ الوصفينِ اللَّذين فيها؟ لأنَّ ذاتَ المرأةِ وحدَها مِن أكبرِ الفتنِ، وقد قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (( ما تَرَكْتُ بَعدِي فِتنَةً هي أضرَّ على الرجالِ مِن النساءِ ) )، وذِكرَ الوَصفينِ كلُّ واحدٍ منهما مِن أَقوى البواعثِ في شهواتِ الجماعِ ورغبةِ فيها، وقد قالَ صلى الله عليه وسلم: (( تُتزوَّجُ المرأةُ لجَمالِها وحَسَبِها ) ). لأنَّ ما ترغبُ النفوسُ في واحدٍ طبعًا إذا اجتمعَ أكثرُ مِن واحدٍ كانَ أشدَّ في الرغبةِ فيهِ وقوةِ الشهوةِ، فمِن أجلِ ذلكَ عَظُم الأجر لتاركِه، ومثلُ ذلكَ يذكرُ عن بعضِ أهلِ الصوفَةِ، كانَ بعضُهم مُمْسِكينَ في الخَلوةِ وبعضُهم غيرُ مُمسِكِينَ، ثم فُتِحَ عليهم بطعامٍ طيِّبٍ، فقالَ الشيخُ: قدِّموا أهلَ الخلوةِ، فخرجَ بعضُهم عنه لإخوانِه قبلَ أنْ يعرفَ ما هو، وقام بعضُهم فكشفَ الطعامَ حتى عايَنَهُ وعَرِفَ ما هو ثم بعدَ ذلكَ خرجَ عنهُ، وقامَ بعضُهم فعاينَه ورفعَ منهُ لُقمةً بفيهِ حتى عَرِفَ طعمَه وتأكَّدَت عندَه قوةُ الشهوةِ لذوقِه طِيبَ الطعامِ ثم بعدَ ذلكَ خرجَ عنهُ فكانَ زهدُ الأكل اختيارًا للطعامِ أعظمُ منزلةً لقوةِ شهوته وقهرِه لها.
وأمَّا الذي تصَدَّقَ وأخفاها، فهذا تحقيقٌ في الإخلاصِ، ومثلُ ذلك يُروَى عن بعضِ أهلِ الصوفَةِ