فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 415

وقد ذُكِرَ عن بعضِ مَن اصطحبَا للهِ أنَّه جفَا أحدُ الأخَوانِ أخًا له، فقالَ المجفَى عليهِ للآخَرِ: امضِ يا أخي، فاحضرْ مجلسَ فُلانٍ مِن أهلِ الصوفَةِ في الوقتِ، فامتثلَ ما قالَ له صاحبُه، فلمَّا حضرَ المجلسَ تكلَّم ذلكَ السيِّدُ في ذلكَ المجلسِ على ما كانَ وقعَ مِن ذلكَ الشخصِ لصاحبِه وتبيَّن لهُ مِن المجلسِ أنَّه تعدَّى على أخيهِ وجَفَاهُ، فتابَ واستغفرَ وعزمَ أن يعودَ فيُقبِّلَ أقدامَ صاحِبِه، ولعلَّه يعفو عنه، فلمَّا دخلَ على صاحبِه أخبرَه بالذي جاءَ بسببِه، فقالَ له: يا أخي، افعلْ ذلكَ مع نفسِك، فإنِّي ما صَحِبْتُكَ إلا للهِ خالِصًا، فكيفَ يَعُزُّ عليَّ ما يَصدُرُ منكَ، وإنَّما وجهتُك في حقِّ نفسِك لا غيرُ؟.

وقوله: (طَلَبَتْهُ امرأةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ) هنا مِنَ الفقهِ أنَّ مِنَ السنَّةِ الكِنايَةُ عن الشيءِ القبيحِ شَرعًا، والإِعراضُ

عن تسميتهِ، يُؤخَذُ ذلكَ مِن قولِه عليهِ السلامُ: (طَلَبَتْهُ) والطلبُ هنا يَعني به: طلبتْ منهُ وقوعَ الفاحشةِ المُحرَّمةِ، فكنَّى بطلبتهِ عن هذا الأمرِ الممنوعِ شرعًا ولم يُفصِحْ به.

وقولُه: (فأخفى) ، هل هذا على العمومِ - أعني صدقَةَ الواجبِ والتَّطوُّعِ - أو معناهُ الخصوصُ، ويريد بها صدقةَ التطوعِ لا غيرُ؟ صيغةُ اللفظِ يحتَمِلهُ، لكنَّ الذي قالَه العلماءُ: أنَّ أفعالَ البرِّ كلَّها: - الفرضُ منها - الأفضلُ فيهِ ظهورُه، والتطوُّع كلُّه: الأفضلُ فيهِ إخفاؤُه؛ لأنَّه قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال: (( صَلاةُ المَرءِ في بيتِه أَفضَلُ لهُ إلَّا المَكتُوبَةُ ) ). فإذا الصلاةُ التي هي رأسُ الدِّينِ كذلكَ، فالغيرُ من بابِ أولَى، وسيأتي الكلامُ على هذا في موضعِه من الكتابِ إن شاءَ اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت