قد اختلف العلماء في ذلك، فالجمهور أنَّه على النَّدب، ونصُّ الكتاب ينبئ بهذا وهو قوله تعالى: {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] ومنهم مَن قال: هو على الوجوب، وأقلُّ ما يجزئ فيه قدر فَواق ناقة، وهو والله أعلم يدلُّ عليه هذا الحديث بطريقٍ ما، لأنَّ مالكًا رضي الله عنه يقول: كلُّ ما يكون فرضًا فلا بدَّ أنْ يكون محدودًا بالكتاب أو بالسنَّة، وما ليس بمحدود بكتابٍ ولا بسنَّة فليس بفرضٍ، وهذه السُّنَّة في هذين الحديثين قد حدَّت قيام اللَّيل، وإذا تأملت هذا الحديث تجده قدر فَواق النَّاقة التي قد حدَّها الذي جعلها فرضًا وهو قدر ما يُقام بهاتين الآيتين.
وفيه دليلٌ: على حسن تعليمه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم، يؤخذ ذلك مِن تحديده عليه الصَّلاة والسَّلام بهاتين الآيتين، وكثيرٌ مِن الآي في الطُّول مثلهما فخصَّهما بالتَّحديد لِمَا فيهما مِن معنى الدُّعاء، وفي ذكره إيَّاهما إرشادٌ منه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم إلى سنَّته، ومِن سنَّته عليه الصَّلاة والسَّلام في تهجُّده إذا مرَّ بآية رحمةٍ دعا، وإذا مرَّ بآية عذاب استعاذ، وإذا مرَّ بآية تنزيه لله سبحانه سبَّح، وقد جاء عنه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم أنَّه مَن قرأ بالآيتين مِن آخر البقرة، فإذا ختم السورة فليقل آمين. فيحصل له الدُّعاء لأنَّ كلَّ مؤمِّنٍ داعٍ.