وإن كان ظاهر ما يجري عليهم ضدَّه، لأنَّ هذا الطَّاعون الذي كان بلاءً، هو في نفسه رحمةٌ للمؤمنين، إذ أنَّه سببٌ لموتهم على الشَّهادة، والشَّهادة أعلى المراتب على ما تقرر في الشَّريعة، ومثل ذلك أيضًا الغرق والهدم والحرق والحبلاء والنفساء إلى غير ذلك مما يشبه هذا المعنى، هو في ظاهره بلاءٌ وهو نفس الرَّحمة.
الثَّالث: فيه دليلٌ على فضل هذه الأمَّة على غيرها، لأنَّ الطَّاعون كان بلاءً لغيرها، وجُعِل شهادة لها، فينبغي لمن أصابه شيءٌ منه، أن يُسرَّ به ويشكر عليه، لأنَّ الشَّهادة قد حصلت له، وهي أعظم المراتب، ونعني بالشُّكر هنا أن يشكر على الشَّهادة التي حصَلَت له لا على البلاء، ولأجل هذا المعنى قال بعض الصَّحابة حين نفذت مقاتله في الجهاد: فزت وربِّ الكعبة، لأنَّ المنفوذ المقاتِل ميِّتٌ، فسُرَّ لكونه مات شهيدًا.
الرَّابع: فيه دليلٌ على أنَّ الخير إنَّما يكون بحسب قوَّة الإيمان، لأنَّه ما كان قبل هذا بلاء، عاد بنفسه رحمةً لهذه الأمَّة، لكونها أقوى إيمانًا ممن تقدَّم، يدلُّ على ذلك قوله تعالى في صفتهم: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ثمَّ قال أيضًا في حقِّهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أي: عدلًا، فلأجل ما خُصُّوا به مِن قوَّة الإيمان، جُعلت لهم هذه المدحة.
الخامس: فيه دليلٌ على تحقيق قَسَم الشَّارع عليه السَّلام حيث قال: (( واللهِ لا يقضي اللهُ