فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 415

وأما الحديثُ فقولُه عليهِ السلامُ: (( أنتُمْ في زمانٍ كثيرٌ فٌقهاؤُه، قليلٌ قُرَّاؤُه، تُحفَظُ فيهِ حدودُ القرآنِ وتضيَّع حروفه ... ) )إلى آخر الكلام، ثمَّ قالَ: (( وسَيأتِي على النَّاسِ زمانٌ قليلٌ فقهاؤُه، كَثيرٌ قُرَّاؤُهُ، تُحفَظُ فيه حُروفُ القُرآنِ وتُضَيَّعُ حُدودُهُ ) ). فقد جعلْ عليهِ السلامُ أولئكَ يفهمونَ وهؤلاءِ لا يفهمونَ، مع أنَّ هؤلاءَ أكثرُ حِفظًا وأكثرَ ضَبطًا للحروفِ، وأتى بذلكَ في مَعرضِ الذمِّ لهؤلاءِ لكونِهم لا يفهمونَ الأحكامَ، فلم يبقَ إلا أنْ يكونَ النورُ الذي كانَ عندَ أولئكَ عَدِمَهُ هؤلاءِ، فرجعَ المساكينُ مثلَ بعضِ مَن تقدَّم منَ الأُممِ الماضيةِ نَقَلَةً وحَمَلَةً؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ قد وصفَهم بذلكَ في كتابِه حيثُ قالَ: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] .

وهاهوَ اليومَ قد كَثُرَ هذا الأمرُ وتَفاحَشَ؛ لأنَّ النقلةَ والأَسفارَ قد كَثُرَتْ، والقليلُ مِن النادرِ مَن تَجد عِنْدَهُ طَرَفًا مِن العلمِ الذي هو النورُ، فهذا العلمُ هو الذي يُقبَضُ شيئًا فشيئًا، فما زالَ يرتفعُ شيئًا فشيئًا حتى يُرفَعَ المُصحفُ، فإذا رُفِعَ المُصحفُ ارتفعَ معه ذلكَ الطرفُ مِنَ النورِ الذي بقِيَ عندَهم، فيبقونَ بعدَ ذلكَ في الضلالةِ يتخبَّطونَ، وعن طريقِ الحقِّ زَاهِقونَ، مع أنَّ الأحكامَ تبقى عندهم مَسطورةً في الكتبِ، لكن بعدمِ النُّورِ وارتفاعِ الأصلِ لا يفهمونَ تلكَ الأحكامَ، ففي إبقاءِ الأصلِ إِشارَةٌ ببقاءِ ذلكَ النورِ وإنْ قلَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت