الوجهُ الرابع: لقائلٍ أن يقولَ: لِمَ نَعتَ عليهِ السلامُ القبضَ أولًا بالنَّزْعِ ثم نعتَهُ بعدَ ذلكَ بصفتِهِ التي هي: القَبْضُ؟
الجوابُ: أنَّ الانتزاعَ فيهِ شِدَّةٌ وغِلظةٌ، والقَبضُ فيه لِينٌ وتَسهيلٌ، فأخبرَ عليهِ السلامُ بأنَّ شدَّةَ الانتزاعِ لا تكون، وإنَّما يكون قَبْضٌ برِفقٍ، لاسيما وقدْ جعلَه عزَّ وجلَّ مُغطّى بحكمةِ قبضِ الوعاءِ، وذلكَ ألطفُ وأخفُّ لأنه لو كان قبضُه بادِيًا دونَ حِكمة تَستُرُه لكانَ العالِمُ يجدُ منهُ خَوفًا ووَحشةً وهو عزَّ وجلَّ بعبادِه رؤوفٌ رحيمٌ؛ لأنَّ العالِمَ إذا ماتَ لم يَقطعِ الناسَ إِياسُهم بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُقيمُ عَالِمًا مَقامَه، فإذا أُقيمَ ذلكَ العالِمُ مَقامَ الأوَّلِ انجبرتِ النفوسُ ولم يَحصُل لها عِلمٌ بمقدارِ مَن قُبِضَ ومَن أقيم، فبقيت الآمالُ في الفضلِ راجِيةً والعينُ بما أُبْدلتْ قَريرَةً، وهذا أَبدَعُ ما يكونُ مِن اللُّطفِ والحكمةِ.