فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 415

الثاني: أنَّ الوعاءَ له اشتراكٌ ما معَ ما أُودِعَ فيهِ، فلا بدَّ لهُ أن يَصحبَه منهُ شيءٌ يدلُّ على ما كانَ فيهِ، وذلكَ الشيءُ الباقي نقصٌ مِن الشيءِ المُودَعِ فيهِ؛ مثالُ ذلكَ: أَوانٍ مملوءَةٍ أحدُها زيتًا والأُخرى عَسلًا والأُخرى سَمنًا، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأشياءِ، فلا بدَّ أن يبقى في الوعاءِ بقيةٌ تدلُّ على ما كانَ فيهِ، وذلكَ الشيءُ الباقِي في الوعاءِ نَقصٌ مِن الشيءِ المُودَعِ فيهِ، وإنْ كانت العلومُ أَنوارًا لا ينتقصُ مِن عُيونِها شيء، لكنْ لمَّا أنْ شاءَ الحكيمُ في أنْ يُرفَعَ مع أوعيتِها شيءٌ منها وقعَ ظهورُ النقصِ في هذا العالم فاتَّحدت النسبةُ بمقتضى الحكمةِ كما أشرنا، ولذلكَ

قالَ أهلُ التحقيقِ: عددُ الطُرقِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ على عددِ الأَنفاسِ؛ لأنه ليسَ كلُّ شخصٍ حالُهُ كمثلِ حالِ الآخرِ مِن كلِّ الجهاتِ، وإنْ وقعَ الشَّبَهُ بين الحالين فلا بدَّ مِن فَرْقٍ ما بينَهما كما هو مشاهدٌ في عالمِ الحِسِّ، فصُوَرُ الناسِ في وَضْعِ الخِلقَةِ على حدٍّ واحدٍ، وليس في حقيقةِ الشَّبَهِ كذلكَ؛ لأن كلَّ واحدٍ يَختصُّ بصفةٍ ما يمتازُ بها في النَّعتِ عن غيرهِ وإنْ أَشْبَهَهُ في أكثرِ الصفاتِ، فكذلكَ جميعُ الحيواناتِ على اختلافِ أَصنافِها على حدٍّ واحدٍ في صِنفِهِ في وضعِ الخِلقَةِ، وليسَ كذلكَ في حقيقةِ الشَّبَهِ، فسُبحانَ مَن أَظهرَ أَثَرَ عِظمِ قُدرَتِهِ بجميلِ وضعِ حِكمتِهِ في جميعِ بريَّتِه، ولأجلِ هذا المعنى الذي أشرنا إليه أَحالَ عزَّ وجلَّ في كتابِه بالنظرِ إليهِ ليُستَدَلَّ به على وحدانيتِهِ، فقالَ عز َّمِن قائلٍ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت