فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 415

وفي قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللهُم اشْهَدْ) مرَّتين، بحث: لِمَ جعلها مرَّتين ولم يجعلها ثلاثًا على عادته صلى الله عليه وسلم في الأمور التي لها بال؟ وما الحكمة في قوله: (اشهَدْ) فإنَّما جعلها اثنتين ولم يجعلها أكثر؟

فإنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَى بها منحى الشهادة، لأنَّ قطع الحقوق يكون بشاهدَينِ، فهذه شهادتان.

وأمَّا الحكمة في قوله ذلك وهو يعلم أنَّه يشاهد ويعلم فذلك لوجوه:

منها: الغاية في الإنذار والإعذار.

ومنها: مواقفه حكمة الكتاب العزيز فإن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول فيه: {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] لأنَّ إعلامه عَزَّ وَجَلَّ له عليه السلام بأنَّه يعلم أنَّه رسوله شهادة له برسالته وتحقيقًا لها فأراد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُشْهِدَه بالتبليغ كما شهد له بالرسالة.

وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على أن مَن رفع الله له قدرًا فهو في امتثال الأوامر أشدُّ مِن غيره ردًا على بعض الباطلين الذين يدَّعون الأحوال ويقولون: قد سقطت عنهم الأعمال، لأنَّهم في الحضرة، وهذا هذيان وخيال عارض في الدماغ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن توفيته عليه السَّلام في الإبلاغ والإنذار.

وهنَا إشارة: إذا كان هذا السيِّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي قد غُفِر له ما تَقدَّم وما تأخَّر من ذنبه وطُبع على الرحمة والشفقة، حتى إنَّه عليه السلام في المواضع المهولة يُقدِّم حقَّ أمَّته على نفسه المكرَّمة لِعظيم ما طُبع عليه مِنَ الرَّحمة، وجاء عليه السَّلام في هذا الموطن الذي هو موطن الوداع أجمَلَ لهم في الإنذار والتبيين ما قد صرَّح لهم به في جميع مدَّة صحبته لهم.

ثمَّ بعد ذلك تبرَّأ منهم ورجع إلى النظر فيما به يخلِّص نفسه المكرَّمة ممَّا كُلِّفَته بقوله عليه السَّلام: (اللهُمَّ اشْهَد) لأنَّ معناه: اشهد بيني وبينهم أنِّي لم أترك شيئًا ممَّا أمرتَني به إلا بلَّغتُه مبيَّنًا ومجمَلًا، فما بالك بالكثير الأثقال منا كيف يشتغل بغيره عن خلاص نفسه لا سيما مع كِبَر السِّنِّ وقُربِ الحِمام؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت