منها: إثبات كلام الله سبحانه لأهل الجنَّة، يُؤخذ ذلك مِن قوله: (إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ) فدلَّ بقوله سبحانه أنَّه عزَّ وجلَّ المخاطِب لهم، ثمَّ بقرينة أخرى وهي جواب أهل الجنَّةِ بقولهم: (لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) ، وبقولهم أيضًا: (وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ) ؟ وبقولهم: (وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ) ، وبقوله سبحانه: (أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) ، وبقولهم: (يَا رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ) ؟ وبقوله سبحانه: (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) . فهذه كلُّها دلائلُ على أنَّه عزَّ وجلَّ هو المتكلِّم معهم بِذاته الجليلة.
وفيه دليل على ما تقدَّم أوَّل الكتاب مِن مذهب أهل السنَّة في كتابه العزيز لأنَّ كلامه القديم الأزليَّ ميسَّرٌ بلغة العرب، وأنَّ النظر في الكيفية في ذلك ممنوع، ولا نقول بالحلول في المُحدَث التي هي الحروف والأصوات، ولا نقول إنَّه دلَّ عليه وَليس بموجود، بلْ الإيمان بأنَّه منزَّل حقٌّ ميسَّر باللُّغة العربية صِدْقٌ. يشهدُ لذلك هنا خطاب مولانا جلَّ جلاله لأهل الجنَّة، وكيف يسَّر لهم سماع كلامه القديم الأزلي بلغة العرب، لأنَّ الألفاظ الَّتي في الحديث هي على مقتضى اللَّغة العربية.
وكذلك جاء أنَّ كلام أهل الجنَّةِ بلغة العرب، فيَسَّرَ لهم عزَّ وجلَّ سمْعَ كلامه القديم القائم بذاته الجليلة لأنَّ الصَّفة الجليلة لا تفارق الموصوف، فأسمعَهُم إياه بالنَّوع الذي هو لغتهم ليفهموا عنه سبحانه مَا أراده لهم بفضله، ولا يمكن لأحدٍ أن يتعرَّض للكيفيَّةِ. فَكما لا يمكن هنا ذلك فكذلك الحكم في كتابه العزيز، لأنَّ هذا كلامه الجليل. فالحُجَّة لأهل السُّنَّة والحمد لله قائمة.