فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 415

وفيه دليل على إضافة المنزل لساكنه، وإن لم يكن الأصل له. يُؤخذ ذلك مِن قوله سبحانه: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ) ، والجنَّة له عزَّ وجلَّ في الحقيقة.

وهنا بحث وهو أن يُقال: لِمَ ذكرَ جلَّ جلاله لهم دوام رضاه بعد استقرارهم في الجنَّة، ولم يكن ذلك عند أوَّل دخولهم؟

فالجواب - والله الموفق - أنَّه جلَّ جلاله لو أخبرهم برضاه أوَّلًا قبل سكناهم والتمتُّع بما هنالك لكان ذلك إخبارًا على ما تقرَّر عندهم مِن علم اليقين، وعين اليقين أبلغ. فلمَّا أنْ جعل لهم عين اليقين بما رأوا فيها ممَّا لا يقدر أحد منَّا يذكره بعقلٍ ولا نقلٍ ولا فهمٍ ولا دليلٍ - أعني حقيقة تلك الأعيان - أخبرهم بذلك، وكفى على ذلك دليلًا قوله عزَّ وجلَّ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] وقول مولانا سبحانه لمَّا وصف فرش الجنَّة قال: {بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن: 54] لأنَّه ليسَ في هذه الدار ما يشبهُ الوجوه.

ولَمَّا كانت العادة عند أهل هذه الدار أنَّ بين بطائن الفرش ووجوهها بونًا عظيمًا عبَّر لهم أنَّ البطائن هناك مِن إستبرق، إذ هو أعظم الملبوسات في هذه الدار، ولو كان عندنا شيء أرفع منه لشَّبَّهه به. فدلَّ بذلك على عظيم قَدر الوجوه وحقيقة ذواتها، لأنَّا لا نعرف كيف صفتها، فلمَّا عرفوا ما هناك عيانًا حينئذٍ أخبرهم بما منَّ عليهم بفضله مِن رضاه عليهم، ليقدروا للنَّعمة بعض قَدْرها، لأنَّ حقيقة قَدْرها لا يمكن معرفته، لأنَّ ما لا آخِرَ له كيف يُعرف له قدر؟ هذا مِن وجه واحد، وهو طريق التَّحديد، لأنَّا لا نعرف قدر الأشياء إلَّا إذا كانت محدودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت