وأمَّا مِن جهة أخرى وَهي حقيقةُ رضاه فلا نقدر على معرفته ولا تشبيهه، غير أنَّ بالأثر الدالِّ عليه نعرف أنَّه عزَّ وجلَّ عظيم في ذاته الجليلة بلا تكييف، فجعل حسن الدار التي هي مِن أثر قدرته سبحانه وتعالى دالًَّا على عظمة فضله وجلاله، جعلنا الله بحرمته مِن أهله في الدارين بلا محنة، لا ربَّ سواه.
ويترتَّب على هذا مِن الحكمة ألَّا يخاطب أحد بشيءٍ حتى يكون عنده ثمَّ يستدلُّ عليه أو على بعضه. ولذلك قال عليٌّ عليه السلام:
(( خاطِبُوا النَّاس على قَدْر عُقُولِهِم، أتحبُّون أن يكذَّبَ اللهُ ورسولُهُ؟ ) )أي: على قَدْر ما يَفهمون. ولذلك ينبغي أن يكون الشخص في نفسه لا يأخذ مِن الأمور إلَّا قَدْر ما يحمله عقلُهُ.
وفيه دليل على أنَّه ليس في الآخرة دار إلَّا الجنَّة أو النَّار. يُؤخذ ذلك مِن قولهم: (وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ) ، وقد جاء هذا عنه صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: (( ليسَ بَعْدَ الدُّنيا من دارٍ إلا الجنَّة أو النَّار ) )أو كما قال عليه السَّلام.
وفيه دليل على أنَّ مَن لم يعرف حقيقة ما خُوطب به فإنَّه يسأل بأدبٍ، يُؤخذ ذلك مِن قولهم: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ)؟ فلمَّا لم يعلموا في تلك الدَّار أفضل ممَّا فيهم استفهموا عَن هذا الشيء الذي لا يعلمونه.
وفيه دليل على أنَّ لفظَ الآية هو الدالُّ على عدم انقطاع الشيء. يُؤخذ ذلك مِن قوله عزَّ وجلَّ: (لاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) . فلو لم يكن هذا دليلًا على عدم الانقطاع ما كانوا يخبرون أنَّه أفضلُ ممَّا هُمْ فيه.
وفيه دليل على أنَّ طبعَ البشريةِ إنَّما تُنْظَر لوقتها. يُؤخذ ذلك مِن فرح أهل الجنَّة بما هُم فيه، ونسوا ما كابدوا مِن أهوال القيامة قبل ذلك.