وفيه دليل على أنَّ الخير كلَّه إنَّما هو في رضا المولى سبحانه وتعالى، وأنَّ ما دونه مِن النَّعيم على اختلاف أنواعه في كِلَا الدَّارين إنَّما هو مِن أثر ذلك الخير، وَهو النعيم الحقيقي.
وفيه دليل لأهل الطريق، لأنَّهم لم يعملوا على نعيم الجِنَان، وإنَّما عملوا على طلب رِضى الرَّحمن.
ومما يدلُّ على ذلك مِن كلامهم: وَهَل نَعِيمٌ في الخُلْد أَشْهَى مِن الرِّضَا والقُرْبِ؟!
ومِن أجل التَّحقيق بهذه المراجعة العجيبة طاشت قلوب المحبِّين وتعاموا عن نعيم الدارين، فضلًا عن نعيم هذه الدار، وللجهل به عَمِيت بصائرُ أهل الدُّنيا حتَّى تَفَانوا عليها، ولم يحصلوا منها على طائل وحصلوا عَلى صفقة خاسرة خَسِروا الدُّنيا والآخرة. ولتصديقِ أهل التوفيق بهذه الأخبار الجليلةِ وَجدوا الحلاوة في نَفْس الطَّاعة لأنها البساط إلى هذا الحال الجليل، وتنسَّموا تلك الرَّوائح العَطِرة بقلوبٍ زكيَّةٍ ونفوسٍ أبيَّةٍ.
وفيه دليل على رِضا أهل الجنَّة كلٌّ منهم بحالهِ مع اختلاف منازلهم. يُؤخذ ذلك مِن كون جوابهم الكلِّ على حدٍّ واحد بقولهم: (وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ) .
تنبيه: وعند بَسْطِ جناح الرَّحمة وإظهار خِلَع القُرب والانبساطِ تساوى الرفيع في النعيم والدَّنيء. يُؤخذ ذلك مِن قوله سبحانه: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ) عمومًا للرفيع المنزلة وغيره عَلى حدٍّ سواء.
فأجْهِدْ نفسك لعلَّ أن يكون لك في القوم نسبةٌ ما، لعلَّك تدخلُ في ضمنِ الخطاب الجليل، لأنَّ سماعَ خطاب المولى الجليل بهذا الخير العميم أعلى النعم.
إشارة وتنبيه: يحقُّ أن يُسمَّى كلُّ مَا جاءت به الرُّسل صلوات الله عليهم خيرًا، لأنَّها أسبابٌ إلى البلوغ إلى هذا الخير