فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 339

اللّهمّ انّا نحمدك والحمد من آلائك ونشكرك والشّكر من نعمائك ونسئلك هدايا الهداية ونعوذ بك من الغباوة والغواية ونبتغى منك اعلام الحقّ والهام الصدق فانه لا علم لنا الا ما علمت ولا دراية إلا ما الهمت انك انت العليم الحكيم والجواد الكريم

ـــــــــــــــــــــــــــــ

بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما وذلك الفعل امّا فعل القلب اعنى الاعتقاد باتّصافه بصفات الجلال والجمال او فعل اللّسان اعنى ذكر ما يدل عليه او فعل الجوارح وهو الاتيان بافعال دالّة على ذلك والشّكر كذلك ليس هو قول القائل الشكر للّه بل صرف العبد جميع ما انعم اللّه به عليه من السّمع والبصر وغيرهما الى ما خلق واعطاه لأجله كصرف النّظر الى مطالعة مصنوعاته والسّمع الى تلقى ما ينبئ عن مرضاته والاجتناب عن منهيّاته وعلى هذا يكون الحمد اعمّ من الشكر مطلقا لعمومه النّعم الواصلة الى الحامد وغيره واختصاص الشكر بما يصل الى الشّاكر والهداية الدّلالة على ما يوصل الى المطلوب والغباوة عدم الفطنة والغواية سلوك طريق لا يوصل الى المطلوب والإلهام القاء معنى في القلب بطريق الفيض والحقّ حال القول والعقد المطابق للواقع بقياسه اليه اعنى كونه مطابقا للأمر الواقع واذا قيس الى الواقع فهو الصّدق اى كونه مطابقا له اذا تمهّد هذا التّصوير فتقول للنفس الناطقة قوتان نظريّة وعمليّة ويمكن حمل قرائن هذه الخطبة على مراتبها في كلّ واحدة منهما امّا مراتب القوّة النّظريّة فلأن النّفس في مبدء الفطرة خالية عن العلوم كلّها لكنّها مستعدّة لها والّا لامتنع اتّصافها بها وحينئذ تسمّى عقلا هيولائيا تشبيها لها بالهيولى الخالية في نفسها عن جميع الصّور القابلة ايّاها ثمّ اذا استعملت آلاتها اعنى الحواسّ الظّاهرة والباطنة حصل لها علوم اوليّة واستعدّت لاكتساب النّظريات وحينئذ تسمّى عقلا بالملكة لأنّها حصل لها بسبب تلك الاوليّات ملكة الانتقال الى النّظريات ثمّ اذا رتّبت العلوم الأوّليّة وادركت النظريّات مشاهدة ايّاها سميّت بالعقل المستفاد لاستفادتها من العقل الفعّال واذا صارت مخزونة عندها وحصلت لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشّم كسب جديد فهى العقل بالفعل ولما كان للانسان في مبدء الفطرة المرتبة الاولى وآلات تحصيل المرتبة الثّانية اى المشاعر الظّاهرة والباطنة وهى كلها نعم يجب الحمد والشكر عليها حمد اللّه تعالى على اعطائه ايّاهما اشارة الى المرتبتين وقوله ونسئلك هدايا الهداية اشارة الى المرتبة الثّالثة فان تحصيل المطالب النظرية من مباديها يتوقّف على هداية اللّه تعالى الى سواء الطّريق اذ الطّرق متعدّدة والتميز بين الصّواب والخطاء لا يتمّ بمجرّد الطّاقة البشريّة ولمّا كانت الهداية وان اقتضت حصول المطالب غير كافية فيه بل لا بدّ معها من ارتفاع الموانع كالغباوة والغواية استعاذ بالله تعالى عنهما وقوله ونبتغى منك اعلام الحقّ والهام الصّدق اشارة الى المرتبة الرابعة لانّ ملكة الّا استحضار لا تحصل الّا بعد اعلامات متتالية والهامات متوالية وفيه استعار بان المبدأ الفيّاض للصّور العقلية خزانة حافظة كها على ما تقرّر في الحكمة ثم كرّر الاشارة الى المراتب الاربع بان رتب اربع قرائن بازاء كلّ مرتبة قرينة واحدة تعليلا لما رسم فيها فكانّه قال انّما حمدتك على المرتبة الاولى لأنّ استعداد العلوم ليس الّا من حضرتك وعلى المرتبة الثّانية لأنّ دراية العلوم الأولية فيها المعدّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت