فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 849

ومن هنا نعلم مدى الحكمة عند الصحابة وعظيم الحرص على الثبات على الحال التي فارقهم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى في بناياتهم ومقتنياتهم وحالتهم المادية ـ عند كثير منهم ـ فكيف بحرصهم على البقاء على الدين والمعتقد والإيمان والمنهج وهو سبيل النصر العظيم في الدنيا، وسبيل النجاة في الآخرة. ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله تعالى_ في هذا المعنى كلاما لا أظن أن كلاما ـ بعد كلام الله ورسوله ـ أنفس منه ولا أجمل إذ قال: (ولِهذا كُلُّ منْ كان مُتّبِعًا لِلرّسُولِ كان اللّهُ معهُ بِحسبِ هذا الِاتِّباعِ، قال اللّهُ تعالى: {ياأيُّها النّبِيُّ حسْبُك اللّهُ ومنِ اتّبعك مِن الْمُؤْمِنِين} [سُورةُ الْأنْفالِ:64] أيْ: حسْبُك وحسْبُ منِ اتّبعك، فكُلُّ منِ اتّبع الرّسُول مِنْ جمِيعِ الْمُؤْمِنِين فاللّهُ حسْبُهُ، وهذا معْنى كوْنُ اللّهِ معهُ.

والْكِفايةُ الْمُطْلقةُ مع الِاتِّباعِ الْمُطْلقِ، والنّاقِصةُ مع النّاقِصِ، وإِذا كان بعْضُ الْمُؤْمِنِين بِهِ الْمُتّبِعِين لهُ قدْ حصل لهُ منْ يُعادِيهِ على ذلِك فاللّهُ حسْبُهُ، وهُو معهُ ولهُ نصِيبٌ مِنْ معْنى قوْلِهِ: {إِذْ يقُولُ لِصاحِبِهِ لا تحْزنْ إِنّ اللّه معنا} ،فإِنّ هذا قلْبُهُ مُوافِقٌ لِلرّسُولِ، وإِنْ لمْ يكُنْ صحِبهُ بِبدنِهِ، والْأصْلُ فِي هذا الْقلْبُ.

كما فِي الصّحِيح عنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ رضِي اللّهُ عنْهُ، أنّ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - رجع مِنْ غزْوةِ تبُوك فدنا مِن المدِينةِ، فقال: «إِنّ بِالْمدِينةِ أقْوامًا، ما سِرْتُمْ مسِيرًا، ولا قطعْتُمْ وادِيًا إِلّا كانُوا معكُمْ» ،قالُوا: يا رسُول اللّهِ، وهُمْ بِالْمدِينةِ؟ قال: «وهُمْ بِالْمدِينةِ، حبسهُمُ العُذْرُ» [1] .

فهؤُلاءِ بِقُلُوبِهِمْ كانُوا مع النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابِهِ الْغُزاةِ، فلهُمْ معْنى صُحْبتِهِ فِي الْغزاةِ، فاللّهُ معهُمْ بِحسبِ تِلْك الصُّحْبةِ الْمعْنوِيّةِ.

ولوِ انْفرد الرّجُلُ [فِي] بعْضِ الْأمْصارِ والْأعْصارِ بِحقٍّ جاء بِهِ الرّسُولُ ولمْ تنْصُرْهُ النّاسُ عليْهِ، فإِنّ اللّه معهُ، ولهُ نصِيبٌ مِنْ قوْلِهِ: {إِلّا تنْصُرُوهُ فقدْ نصرهُ اللّهُ إِذْ أخْرجهُ الّذِين كفرُوا ثانِي اثْنيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يقُولُ لِصاحِبِهِ لا تحْزنْ إِنّ اللّه معنا} [سُورةُ التّوْبةِ:40] ،فإِنّ نصْر الرّسُولِ هُو نصْرُ دِينِهِ الّذِي جاء بِهِ حيْثُ كان، ومتى كان، ومنْ وافقهُ فهُو صاحِبُهُ عليْهِ فِي الْمعْنى، فإِذا قام بِهِ ذلِك الصّاحِبُ كما أمر اللّهُ، فإِنّ اللّه مع ما جاء بِهِ الرّسُولُ، ومع ذلِك الْقائِمِ بِهِ.

وهذا الْمُتّبِعُ لهُ حسْبُهُ اللّهُ، وهُو حسْبُ الرّسُولِ كما قال تعالى: {حسْبُك اللّهُ ومنِ اتّبعك مِن الْمُؤْمِنِين} [سُورةُ الْأنْفالِ:64] .. [2]

ـــــــــــــ

6 -قتلُ الأنبياء والوعد بالتمكين لهم:

(1) - صحيح البخاري (6/ 8) (4423)

(2) - منهاج السنة النبوية (8/ 487)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت