وقال سبحانه وتعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا كُونوا أنصار اللّهِ كما قال عِيسى ابْنُ مرْيم لِلْحوارِيِّين منْ أنصارِي إِلى اللّهِ قال الْحوارِيُّون نحْنُ أنصارُ اللّهِ فآمنت طّائِفةٌ مِّن بنِي إِسْرائِيل وكفرت طّائِفةٌ فأيّدْنا الّذِين آمنُوا على عدُوِّهِمْ فأصْبحُوا ظاهِرِين} (14) سورة الصف
ــــــــــــــ
إن الجهاد والعزة قرينان، كما أن ترك الجهاد وذل الأمة بتكالب الأعداء عليها ونهبهم لخيراتها قرينان، وإنما سُلط الذل على الأمة عقوبة من الله تعالى، لا لأن الكفار أقوى من المسلمين في العدد والعدة ولكن لركون المسلمين إلى الدنيا وانغماسهم في المحرمات كربا العينة وتركهم للواجبات كالجهاد في سبيل الله.
فتأمل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:فعنِ ابْنِ عُمر، قال: سمِعْتُ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: «إِذا تبايعْتُمْ بِالْعِينةِ، وأخذْتُمْ أذْناب الْبقرِ، ورضِيتُمْ بِالزّرْعِ، وتركْتُمُ الْجِهاد، سلّط اللّهُ عليْكُمْ ذُلًّا لا ينْزِعُهُ حتّى ترْجِعُوا إِلى دِينِكُمْ» [1]
تجد أن هذا الحديث يصور واقع الأمة المرير، لتركها لرسالتها وانشغالها بالدنيا وارتكابها للمحرمات، فكانت النتيجة العقوبة من الله تعالى بتسليط الذل عليها الذي لا ينزعه الله تعالى ويرفعه إلا بعودة الأمة إلى دينها وشريعة ربها التي لا صلاح لها ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا بهذا الدين العظيم الذي من عظمته وكمال أحكامه أن شرع الله فيه الجهاد لمنع الفساد في الأرض.
ولهذا نبه الله تعالى إلى هذا الفضل بقوله تعالى: (ولوْلا دفْعُ اللّهِ النّاس بعْضهُمْ بِبعْضٍ لهُدِّمتْ صوامِعُ وبِيعٌ وصلواتٌ ومساجِدُ يُذْكرُ فِيها اسْمُ اللّهِ كثِيرًا) .
وقال تعالى: (كُتِب عليْكُمُ الْقِتالُ وهُو كُرْهٌ لكُمْ وعسى أنْ تكْرهُوا شيْئًا وهُو خيْرٌ لكُمْ وعسى أنْ تُحِبُّوا شيْئًا وهُو شرٌّ لكُمْ واللّهُ يعْلمُ وأنْتُمْ لا تعْلمُون) .
إن الضعف وترك الجهاد مطمعة للأعداء في خيرات الأمة وأراضيها، فعندما سرى الوهن في قلوب كثير من المسلمين فأحبوا الدنيا وكرهوا القتال تكالب عليهم الأعداء من كل صوب يأخذون خيراتهم وديارهم ويسومونهم سوء العذاب.
(1) - سنن أبي داود (3/ 274) (3462) صحيح
قَوْلُهُ: (بِالْعِينَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ يَاءٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعِينَةُ بِالْكَسْرِ السَّلَفُ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَعِينَ أَخَذَ بِالْعِينَةِ بِالْكَسْرِ أَيْ: السَّلَفِ، أَوْ أَعْطَى بِهَا قَالَ: وَالتَّاجِرُ بَاعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ اهـ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَبَيْعُ الْعِينَةِ هُوَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَيُسَلِّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِثَمَنِ نَقْدٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ انْتَهَى. نيل الأوطار (5/ 245)