فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 849

إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان - وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية اللّه واغتصاب سلطانه وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته، وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم.

ولقد روى أصحاب عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:] ،إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوَا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ. [1] .

وهكذا صحح الخليفة الأول - رضوان اللّه عليه - ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة. ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق. فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه! وكلا واللّه! إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد. ولا يصلح إلا بعمل وكفاح. ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه، ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده، ولتقرير ألوهية اللّه في الأرض، ولرد المغتصبين لسلطان اللّه عما اغتصبوه من هذا السلطان، ولإقامة شريعة اللّه في حياة الناس، وإقامة الناس عليها .. لا بد من جهد. بالحسنى حين يكون الضالون أفرادا ضالين، يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة. وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى وتعطل دين اللّه أن يوجد، وتعوق شريعة اللّه أن تقوم. وبعد ذلك - لا قبله - تسقط التبعة عن الذين آمنوا، وينال الضالون جزاءهم من اللّه حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إليه: «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .. [2]

ــــــــــــــ

10.الترف:

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) } [المؤمنون:64 - 67]

حتّى إِذا جاء المُتْرفِين مِنْهُمْ، المُنعّمِين فِي الدُّنْيا، عذابُ اللهِ وبأسُهُ ونِقْمتهُ، إِذا هُمْ يسْتغِيثُون، ويصْرُخُون واغوثاهُ (يجْأرُون) ،لِشدةِ ما يُعانُون مِن الكُربِ والآلامِ.

(1) - المسند الجامع [9/ 1151] (7135) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [1/ 540] (305) صحيح

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1400)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت