فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 849

وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة، فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب اللّه في الصغيرة والكبيرة، وفي السر والعلن على السواء. وهذا هو التعقيب الذي ينهي آيات القتال والإنفاق، فيكل النفس في أمر الجهاد إلى الإحسان. أعلى مراتب الإيمان. [1]

ــــــــــــ

3.أكلُ الربا:

قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) } [البقرة:275 - 280]

بعْد أنْ ذكر اللهُ تعالى الإِنفاق فِي سبيلِ اللهِ، والتّصدُّق على عِبادِهِ، وإخْراج الزّكاةِ، شرع فِي عرْضِ حالِ أكِلِي الرِّبا، وأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وأنْواعِ الشُّبُهاتِ، فأخْبر عنْ حالِهِمْ يوْم خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، يوْم البعْثِ والنُّشُورِ، فقال عنْهُم: إنّهُم لا يقُومُون مِنْ قُبُورِهِمْ إلاّ قِيامًا مُنْكرًا، كما يقُومُ المصْرُوعُ حال صرعِهِ وأكْلُهُمُ الرِّبا هذا قائِمٌ على اسْتِحلالِهِمْ لهُ، وجعْلِهِ كالبيْعِ، فيقُولُون: كما يجُوزُ أنْ يبيع الإِنْسانُ سِلعتهُ التِي ثمنُها عشرةُ دراهِم على أنْ يرُدّها عليهِ عِشْرِين دِرْهمًا بعْد سنةٍ، فالسّببُ فِي رأيِهِمْ واحِدٌ فِي كُلٍّ مِن الزِّيادتيْنِ، وهُو الأجلُ.

هذِهِ هِي حُجّةُ آكِلِي الرِّبا وهُمْ واهِمُون فِيما قالُوهُ، وقِياسُهُمْ فاسِدٌ، لأنّ البيْع فِيهِ ما يقْتضِي حِلّهُ لأنّهُ يُلاحظُ فِيهِ انْتِفاعُ المُشْترِي بِالشّيْءِ انْتِفاعًا حقِيقيًّا.

أمّا الرِّبا فهُو إعْطاءُ الدّراهِم والْمِثْلِيّاتِ وأخْذُها مُضاعفةً فِي وقْتٍ آخر. فما يُؤخذُ مِن المدِينِ زِيادةً في رأسِ المالِ لا مُقابِل لهُ مِنْ عيْنٍ ولا عمل. فمنْ بلغهُ نهْيُ اللهِ عنِ الرِّبا، فانْتهى عنِ الرِّبا فلهُ ما سلف مِمّا أكلهُ مِن الرِّبا قبْل التّحْرِيم، وما سبق لهُ أنْ أخذهُ أيّام الجاهِلِيّةِ، وأمْرُه مرْدُودٌ إلى اللهِ. ومنْ عاد إلى الرِّبا، بعْد أنْ بلغهُ النّهْيُ عنْهُ، فقدِ اسْتوْجب العُقُوبة مِن اللهِ، والخُلُود في نارِ جهنّم.

الذِي يتخبّطُهُ الشّيْطانُ - أي المصْرُوعُ. وكانتِ العربُ تعْتقِدُ أنّ الشيْطان يخْبِطُ الإِنْسان فيصْرعُهُ.

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 418)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت