إنها قضية جازمة حاسمة لا تقبل التميع، ولا يقبل اللّه فيها إلا الجد الصارم الجد الذي يليق بالمسلم في شأن الدين .. [1]
ـــــــــ
قال تعالى: {فلمْ تقْتُلُوهُمْ ولكِنّ اللّه قتلهُمْ وما رميْت إِذْ رميْت ولكِنّ اللّه رمى ولِيُبْلِي الْمُؤْمِنِين مِنْهُ بلاء حسنًا إِنّ اللّه سمِيعٌ علِيمٌ (17) ذلِكُمْ وأنّ اللّه مُوهِنُ كيْدِ الْكافِرِين (18) } سورة الأنفال
يُبيِّنُ اللهُ تعالى لِلنّاسِ أنّهُ خالِقُ أفْعالِ العِبادِ، وأنّهُ المحْمُودُ على جمِيعِ ما يصْدُرُ عنْهُمْ. ويقُولُ تعالى لِلْمُسْلِمِين: إِنّكُم لمْ تقْتُلُوا الكُفّار يوْم بدْرٍ بِحوْلِكُمْ وقُوّتِكُمْ، بلِ اللهُ هُو الذِي أظْفركُمْ بِهِمْ، وأظْهركُمْ عليْهِمْ، وهُو الذِي قتلهُمْ بِأيْدِيكُمْ. وكان الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - قبْل بدْءِ المعْركةِ قدْ أخذ حفْنةً مِنْ تُرابٍ فرمى بِها فِي وُجُوهِ المُشْرِكِين، فلمْ يبْق أحدٌ مِنْهُمْ إلاّ أصابهُ شيءٌ مِنْها فِي عيْنيْهِ أوْ فِي حلْقِهِ أوْ فِي مُنْخرِهِ .. فكانتْ مِمّا ساعد على إِلْقاءِ الذُّعْرِ فِي نُفُوسِ قُريشٍ وخِذْلانِهِمْ. وقدْ أنْزل اللهُ فِي ذلِك قوْلهُ: {وما رميْت إِذْ رميْت ولكن الله رمى} ،فالرّمْيةُ لمْ تكُنْ لِتبْلُغ قُريْشًا لوْلا إِرادةُ اللهِ. وقدْ فعل اللهُ ذلِك لأنّهُ أراد أنْ يخْتبِر المُؤْمِنِين القلِيلِي العددِ بِإِظْهارِهِمْ على عدُوِّهِمْ، الذِي يفُوقُهُمْ عددًا وعُدّةً، اخْتِبارًا حسنًا، ولِيعْرِفُوا نِعْمة اللهِ عليْهِمْ ولِيشْكُرُوها، واللهُ تعالى سمِيعٌ لاسْتِغاثةِ الرّسُولِ، علِيمٌ بِمنْ يسْتحِقُّ النّصْر [2] .
هو إشارة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي مكنّ للمسلمين يومئذ من عدوّهم، وأن يد الله هى التي ضربتهم تلك الضربة القاضية، وأن المسلمين لم يكونوا إلا أسبابا ظاهرة، أجرى الله على أيديهم ما أخذ به عدوهم من بلاء في هذه المعركة .. وكذلك ما فعله النبىّ يومئذ حين قبض قبضة من تراب فرمى بها في وجه الكافرين، داعيا الله سبحانه أن يعمى أبصارهم، ويطمس على قلوبهم، ويأخذ على أيديهم .. فإن ذلك الذي كان من النبىّ لم يكن ليحدث أثره، إلا لأن الله سبحانه هو الذي جعل لهذه الرمية تأثيرها وأثرها ..
وإذن فإن فوق يد المسلمين كانت يد الله .. وفوق يد النبي كانت يد الله .. وإذن فلا يحسب المسلمون أنهم بغير هذا المدد السماوي قد غلبوا عدوهم وقهروه، ولا يحسب النبىّ أنه برميته تلك التي رمى بها في وجوه المشركين قد فتح للمسلمين طريق النصر، لولا أن يد الله تقبلت رميته وباركتها .. وفى هذا وذلك ما يشعر بأن الله سبحانه مع نبيه ومع المجاهدين معه. وإذا كان الله سبحانه هو الذي مكّن
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1317)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1178، بترقيم الشاملة آليا)