والآية هنا تذكر طرفي النهار - وهما أوله وآخره، وزلفا من الليل أي قريبا من الليل. وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها. والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك.
والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة - أي أدائها كاملة مستوفاة - بأن الحسنات يذهبن السيئات. وهو نص عام يشمل كل حسنة، والصلاة من أعظم الحسنات، فهي داخلة فيه بالأولوية. لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد - كما ذهب بعض المفسرين: «ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ» .. فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب .. والاستقامة في حاجة إلى الصبر. كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة اللّه في المكذبين يحتاج إلى الصبر ..
ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو: «وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» .. والاستقامة إحسان. وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان. والصبر على كيد التكذيب إحسان ... واللّه لا يضيع أجر المحسنين ... [1]
ـــــــــــــــ
وهو سبب من أسباب الهلاك ونزول العذاب، يقول الله: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) } [هود:116،117] .
لقدْ كان مِن الواجِبِ أنْ يكُون مِن الأُممِ السّابِقةِ التِي أهْلكها اللهُ بِظُلْمِها، جماعةٌ مِنْهُمْ أُولُو عقْلٍ، ورأيٍ، وصلاحٍ، ينْهوْن المُفْسِدِين عنِ الإِفْسادِ فِي الأرْضِ، ويأخُذُون على أيْدِيهِمْ لِكيْلا ينْزِل بِهِمْ عذابُ اللهِ، لأنّ مِنْ سُنّةِ اللهِ أنْ لا يُهْلِك قوْمًا إِلاّ إِذا عمّ الفسادُ والظُّلْمُ أكْثرهُمْ. ولكِنْ لمْ يكُنْ بيْن هؤُلاءِ الأقْوامِ الظّالِمِين إِلاّ قِلّةٌ مِن المُؤْمِنِين أكْثرهُمْ مِن الضُّعفاءِ الذِين لا يُؤْخذُ بِرأْيهِمْ، ولا تُسْمعُ كلِمتُهُمْ، ولا يُقْبلُ أمْرُهُمْ ونهْيُهُمْ. أمّا الأكْثرُون فكانُوا مِن الظّالِمِين المُسْتكْبِرِين المُعانِدِين، فأصرُّوا على ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، واتّبعُوا حياة التّرفِ والفسادِ، فحال ذلِك بيْنهُمْ وبيْن الانْتِفاعِ بِدعْوةِ الحقِّ، فبطرُوا واسْتكْبرُوا، وصدُّوا عنْ سبِيلِ اللهِ، وقدْ أغْرقُوا أنْفُسهُمْ فِي الجرائِمِ التِي ولّدها النّعِيمُ والتّرفُ، واسْتسْلمُوا لها، ولِذلِك رجّحُوا ما أتوا بِهِ على اتِّباعِ الرُّسُلِ وطاعةِ اللهِ فأهْلكهُمُ اللهُ، وتِلْك سُنّةُ اللهِ فِي خلْقِهِ.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2572)