فهرس الكتاب

الصفحة 813 من 849

وفق ما يريد. وحرية إرادتهم في الحركة والاختيار جزء من الناموس الكلي ينتهي إلى التناسق الكوني العام. وكل شيء مقدر تقديرا لا يناله نقص ولا اضطراب. [1]

ــــــــــــــــ

44.البطرُ في المعيشةِ:

قال تعالى: وقالُوا إِنْ نتّبِعِ الْهُدى معك نُتخطّفْ مِنْ أرْضِنا أولمْ نُمكِّنْ لهُمْ حرمًا آمِنًا يُجْبى إِليْهِ ثمراتُ كُلِّ شيْءٍ رِزْقًا مِنْ لدُنّا ولكِنّ أكْثرهُمْ لا يعْلمُون (57) وكمْ أهْلكْنا مِنْ قرْيةٍ بطِرتْ معِيشتها فتِلْك مساكِنُهُمْ لمْ تُسْكنْ مِنْ بعْدِهِمْ إِلّا قلِيلًا وكُنّا نحْنُ الْوارِثِين (58) وما كان ربُّك مُهْلِك الْقُرى حتّى يبْعث فِي أُمِّها رسُولًا يتْلُو عليْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلّا وأهْلُها ظالِمُون (59) [القصص/57 - 59] }

يُخْبِرُ اللهُ تعالى عمّا اعتذر بهِ بعْضُ المُشْرِكِين إِلى النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عنْ سببِ عدمِ إيمانِهِمْ بِرِسالتِهِ، وكان مِنْ هؤلاء المُعتذِرِين الحارِثُ بِنُ عُثْمان بْنِ نوْفل بْنِ عبْدِ مُنافٍ فقدْ جاء النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -،وقال لهُ: نحْنُ نعْلمُ أنّك على الحقِّ، ولكِنّنا نخافُ إِنْ اتّبْناك، وخالفْنا العرب، أنْ يُخرِجُونامِنْ أرضِنا، ويغْلِبُونا على سُلْطانِنا ونحنُ قِلّةٌ. ويردُّ الله تعالى على هؤلاءِ بقولِهِ: إِنّ الذِي اعْتذرُوا بِهِ باطِلٌ، لأنّ الله جعلُهُمْ في بلدٍ آمِن، وحرمٍ مُعظّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضِع. فكيف يكُون هذا الحرمُ آمِنًا لهُمْ وهُمْ كُفّارٌ، مُشْرِكُون، ولا يكُونُ آمنا لهُمْ إِذا أسْلمُوا واتّبعُوا الحقّ؟ ثُمّ يقُولُ تعالى: إِنّهُ يسّر وصُُول الثّمراتِ والأمتِعةِ والأرْزاقِ مِنْ كُلِّ مكانٍ إِلى أهلِ الحرمِ، وهذا كُلُّهُ بِفضْلِ اللهِ، ومنْ عِنايتِهِ، ولكِنّ أكثر هؤلاءِ جهلةٌ لا يعْلمُون ما فِيهِ خيرُهُم وسعادتُهُمْ، ولِذلِك قالُوا ما قالُوا.

يُعرِّضُ الله تعالى بأهلِ مكّة، ويُنبِّهُهُمْ إِلى أنّهُ قدْ سبق لهُ أنْ أهلك كثيرًا مِن المُدُنِ والقُرى، التي طغتْ وأشِرتْ وكفرت بِنِعْمةِ اللهِ، فيما أنْعم بهِ عليها، فدمّرها تدمِيرًا، ولم يتْرُكْ أحدًا مِنْ أهلِها حيًا، ولم يعُدْ يُرى فِيها إِلاّ المساكِنُ الخرابُ المهْجُورةُ، لمْ يسْكُنها أحدٌ بعدهُمْ، إِلاّ عابرُو السّبيلِ لفتراتٍ قصِيرةٍ، وهُمْ مارُّون مُجْتازُون بِها، وآلتْ وِراثُتها إِلى اللهِ، لأنّهُ لمْ يبْق مِنْ أهلِها أحدٌ يُمْكِنُ أنْ يدّعِي وراثتها، ويُخْبِرُ اللهُ تعالى عنْ عدْلِهِ فيقُولُ: إِنّهُ لا يُهْلِكُ أحدًا وهُو ظالِمٌ لهُ، وإِنّما يُهِلكُهُ بعد أنْ تقُوم عليهِ الحُجّةُ. وإِنّهُ لا يُهلِكُ القُرى حوْل مكّة بِكُفْرِهِم وظُلْمِهِم إِلاّ بعْد أن يبْعث فِي أُمِّ القُرى (مكّة) رسُولًا يدْعُوهُم إِلى اللهِ، ويُبِيِّنُ لهُم سبيل الهدايةِ والرّشادِ، ويتلُو عليهمْ آياتِ اللهِ، وإِنّهُ لا يُهلِكُ هذهِ القُرى إِلاّ وأهْلُها ظالِمُون، قدْ كذّبُوا النّبِيّ، ورفضُوا اتِّباعهُ، وقبُول دعْوتِهِ.

(وفُهِم مِنْ هذِهِ الآيةِ أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بُعِث إِلى النّاسِ كافّة، وليس لأهلِ مكّة خاصّةً) [2]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4066)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3191، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت