ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك .. وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني، على طريقة القرآن في التعبير [1] .
ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه اللّه عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر، قالوا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - إذن لا نقول لك يا رسول اللّه ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم. «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ» لكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون [2] .. وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة وبعض جوانب حكمة اللّه في تفصيل قصة بني إسرائيل .. [3]
ـــــــــــ
وهذه المعاصي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في هزيمة الأمة أمام أعدائها، فعنِ ابْنِ عُمر قال سمِعْتُ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ «إِذا تبايعْتُمْ بِالْعِينةِ وأخذْتُمْ أذْناب الْبقرِ ورضِيتُمْ بِالزّرْعِ وتركْتُمُ الْجِهاد سلّط اللّهُ عليْكُمْ ذُلاًّ لا ينْزِعُهُ حتّى ترْجِعُوا إِلى دِينِكُمْ» رواه أبو داود [4] .
(إِذا تبايعْتُمْ بِالْعِينةِ) قال الْجوْهرِيّ: الْعِين بِالْكسْرِ السّلف. وقال فِي الْقامُوس: وعيّن أخذ بِالْعِينة بِالْكسْرِ أيْ السّلف أوْ أعْطى بِها. قال والتّاجِر باع سِلْعته بِثمنٍ إِلى أجل ثُمّ اِشْتراها مِنْهُ بِأقلّ مِنْ ذلِك الثّمن اِنْتهى. قال الرّافِعِيّ: وبيْع الْعِينة هُو أنْ يبِيع شيْئًا مِنْ غيْره بِثمنٍ مُؤجّل ويُسلِّمهُ إِلى الْمُشْترِي ثُمّ يشْترِيه قبْل قبْض الثّمن بِثمنِ نقْد أقلّ مِنْ ذلِك الْقدْر اِنْتهى. وقدْ ذهب إِلى عدم جواز بيْع الْعِينة مالِك وأبُو حنِيفة وأحْمد، وجوّز ذلِك الشّافِعِيّ وأصْحابه. كذا فِي النّيْل. وقدْ حقّق الْإِمام اِبْن الْقيِّم عدم جواز الْعِينة ونقل معْنى كلامه الْعلّامة الشّوْكانِيُّ فِي النّيْل. (وأخذْتُمْ أذْناب الْبقر ورضِيتُمْ بِالزّرْعِ) حُمِل هذا على الِاشْتِغال بِالزّرْعِ فِي زمن يتعيّن فِيهِ الْجِهاد (وتركْتُمْ الْجِهاد) أيْ الْمُتعيّن فِعْله (سلّط اللّه عليْكُمْ ذُلًّا) بِضمِّ الذّال الْمُعْجمة وكسْرها أيْ صغارًا ومسْكنة ومنْ أنْواع الذُّلّ الْخراج الّذِي يُسلِّمُونهُ كُلّ سنة لِمُلّاكِ الْأرْض. وسبب هذا الذُّلّ واللّه أعْلم أنّهُمْ لمّا تركُوا الْجِهاد فِي سبِيل اللّه الّذِي فِيهِ عِزّ الْإِسْلام وإِظْهاره على كُلّ دِين عاملهُمْ اللّه بِنقِيضِهِ وهُو إِنْزال الذِّلّة
(1) - يراجع فصل القصة في القرآن في كتاب «التصوير الفني في القرآن» للمؤلف وكتاب «منهج الفن الإسلامي» لمحمد قطب «دار الشروق» (السيد رحمه الله)
(2) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ >> بَابُ ذِكْرِ سَبَبِ خُرُوجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - >> (874) صحيح مرسل
(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1250)
(4) - برقم (3464) بإسناد صحيح لغيره