المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن، كقوله تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ} {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} زيادة كثيرة عن الجزاء المقابل لأعمالهم، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} بل يعطيه من الأجر ما لا يبلغه عمله، بل ولا تبلغه أمنيته، ويعطيه من الأجر بلا عد ولا كيل، وهذا كناية عن كثرته جدا. [1]
وهناك صلة تصويرية بين مشهد المشكاة هناك ومشهد البيوت هنا، على طريقة التناسق القرآنية في عرض المشاهد ذات الشكل المتشابه أو المتقارب. وهناك صلة مثلها بين المصباح المشرق بالنور في المشكاة، والقلوب المشرقة بالنور في بيوت الله. تلك البيوت «أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ» - وإذن الله هو أمر للنفاذ - فهي مرفوعة قائمة، وهي مطهرة رفيعة.
يتناسق مشهدها المرفوع مع النور المتألق في السماوات والأرض. وتتناسق طبيعتها الرفيعة مع طبيعة النور السني الوضيء. وتتهيأ بالرفعة والارتفاع لأن يذكر فيها اسم الله: «وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» .وتتسق معها القلوب الوضيئة الطاهرة، المسبحة الواجفة، المصلية الواهبة. قلوب الرجال الذين «لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ» .. والتجارة والبيع لتحصيل الكسب والثراء. ولكنهم مع شغلهم بهما لا يغفلون عن أداء حق الله في الصلاة، وأداء حق العباد في الزكاة: «يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ» .. تتقلب فلا تثبت على شيء من الهول والكرب والاضطراب. وهم يخافون ذلك اليوم فلا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
وهم مع هذا الخوف يعلقون رجاءهم بثواب الله: «لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» .. ورجاؤهم لن يخيب في فضل الله: «وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» من فضله الذي لا حدود له ولا قيود. [2]
ــــــــــــ
قال تعالى: {إِنّ الّذِين يتْلُون كِتاب اللّهِ وأقامُوا الصّلاة وأنفقُوا مِمّا رزقْناهُمْ سِرًّا وعلانِيةً يرْجُون تِجارةً لّن تبُور (29) لِيُوفِّيهُمْ أُجُورهُمْ ويزِيدهُمْ مِنْ فضْلِهِ إِنّهُ غفُورٌ شكُورٌ (30) } سورة فاطر
إِن عِباد اللهِ المُؤْمِنين الذِين يتْلُون كِتاب اللهِ، ويُؤْمِنُون بِهِ، ويعْملُون بِما فِيهِ مِنْ أوامِر: مِنْ إِقامةِ الصّلاةِ وأدائها بِخُشُوعِها، وإِتْمامِها بِرُكُوعِها وسُجُودِها، ومِن الإِنْفاقِ مِمّا رزقهُمُ اللهُ سِرًا وعلانِيةً فِي سبيلِ
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 569)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3252)