فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 849

يتعقبون، والصديق - رضي اللّه عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. والرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما؟» .

فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي الْغَارِ: وَقَالَ مَرَّةً: وَنَحْنُ فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، قَالَ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا [1] .

ثم ماذا كانت العاقبة، والقوة المادية كلها في جانب، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس. وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار: «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى» .

وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة: «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» ..

وقد قرئ «وكلمة اللّه» بالنصب. ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى التقرير.

فكلمة اللّه هي العليا طبيعة وأصلا، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة. واللّه «عزيز» لا يذل أولياؤه «حكيم» يقدر النصر في حينه لمن يستحقه.

ذلك مثل على نصرة اللّه لرسوله ولكلمته واللّه قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول اللّه إلى دليل!. [2]

ــــــــــــ

6.حُبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت:

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كانتْ لكُمُ الدّارُ الْآخِرةُ عِنْد اللّهِ خالِصةً مِنْ دُونِ النّاسِ فتمنّوُا الْموْت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين (94) ولنْ يتمنّوْهُ أبدًا بِما قدّمتْ أيْدِيهِمْ واللّهُ علِيمٌ بِالظّالِمِين (95) ولتجِدنّهُمْ أحْرص النّاسِ على حياةٍ ومِن الّذِين أشْركُوا يودُّ أحدُهُمْ لوْ يُعمّرُ ألْف سنةٍ وما هُو بِمُزحْزِحِهِ مِن الْعذابِ أنْ يُعمّر واللّهُ بصِيرٌ بِما يعْملُون (96) } [البقرة/94 - 96]

قُلْ لهُمْ يا مُحمّدُ: إِنْ كُنْتُمْ تعْتقِدُون صِدْقًا أنّكُمْ أوْلِياء اللهِ وأحبّاؤُهُ مِنْ دُونِ النّاس، وأنّ النّار لنْ تمسّكُمْ إِلاّ أيّامًا معْدُوداتٍ، وأنّ لكُمُ الجنّة وحْدكُمْ ومنْ عداكُمْ مِن الخلْقِ فِي النّارِ، فتمنّوُا الموْت الذِي يُوصِلُكُمْ إِلى ذلِك النّعِيمِ الخالِصِ الدّائِمِ الذِي لا يُنازِعُكُمْ فِيهِ أحدٌ، واطْلُبُوا الموْت مِن اللهِ. فإِذا لمْ يتمنّوْهُ كانُوا غيْر صادِقِين في إِيمانِهِمْ.

(1) - أخرجه الشيخان وغيرهما المسند الجامع [9/ 1168] (7141) ومسند أحمد (عالم الكتب) [1/ 76] (11)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2267)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت