قال تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا كُونُوا قوّامِين لِلّهِ شُهداء بِالْقِسْطِ ولا يجْرِمنّكُمْ شنآنُ قوْمٍ على ألّا تعْدِلُوا اعْدِلُوا هُو أقْربُ لِلتّقْوى واتّقُوا اللّه إِنّ اللّه خبِيرٌ بِما تعْملُون (8) وعد اللّهُ الّذِين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحاتِ لهُمْ مغْفِرةٌ وأجْرٌ عظِيمٌ (9) } [المائدة/8،9]
يا أيُّها الذِين آمنُوا لِيكُنْ همّكُمْ ودأبُكُمُ التِزام الحقِّ فِي أنْفُسِكُمْ (بِدُونِ اعْتِداءٍ على أحدٍ) ،وفِي غيْرِكُمْ (بِالأمْرِ بِالمعْرُوفِ والنّهْي عنِ المُنْكرِ ابْتغاء مرْضاةِ اللهِ وحْدهُ، لا لأجْلِ إِرْضاءِ النّاسِ، واكْتِسابِ السُّمْعةِ الحسنةِ عِنْدهُمْ) ،وكُونُوا شُهداء بِالعدْلِ (القِسْطِ) ،دُون مُحاباةٍ لِمشْهُودٍ لهُ، ولا لِمشْهُودٍ عليهِ، فالعدْلُ مِيزانُ الحُقُوقِ، ومتى وقع الجُورُ فِي أُمًّةٍ، زالتِ الثِّقةُ مِنْ نُفُوسِ النّاسِ، وانْتشرتِ المُفاسِدُ، وتقطّعتْ روابِطُ المُجْتمعِ. ولا تحْمِلنّكُمْ عداوتُكُمُ الشّدِيدةُ لِقوْمٍ، وبُغْضُكُمْ لهُمْ على عدمِ العدْلِ فِي أمْرِ الشّهادةِ لهُمْ بِحقِّهِمْ إذا كانُوا أصْحاب حقٍّ، أوْ على عدمِ الحُكْمِ لهُمْ بِذلِك، فالمُؤْمِنُ يُؤْثِرُ العدْل على الجُورِ والمُحاباةِ. ثُمّ يُؤكِّدُ اللهُ تعالى أمْرهُ السّابِق بِضرُورةِ إِقامةِ العدْلِ، وأداءِ الشّهادةِ بِالقِسْطِ فيقُولُ: اعْدِلُوا لأنّ العدْل أقْربُ لِتقْوى اللهِ، وأبْعدُ عنْ سخْطِهِ، واتّقُوا سخط اللهِ وعِقابهُ لأنّهُ لا يخْفى عليْهِ شيءٌ مِنْ أعْمالِكُمْ ظاهِرها وباطِنها، واحْذرُوا أنْ يُجازِيكُمْ بِالعدْلِ على ترْكِكُمُ القِيام بِالعدْلِ.
وعد اللهُ الذِين آمنُوا بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ .. وعمِلُوا الأعْمال الصّالِحة التِي يرْضاها ربُّهُمْ (مِثْل العدْلِ، والأمْرِ بِالمعْرُوفِ، والنّهِي عنِ المُنْكرِ، ومُراعاةِ جانِبِ اللهِ فِي أوامِرِهِ ونواهِيهِ، فِي أنْفُسِهِمْ وفِي روابِطِهِم الاجْتِماعِيّةِ) ،بِأنّهُ سيغْفِرُ لهُمْ ذُنُوبهُمْ، ويتجاوزُ عنْ سيِّئاتِهِمْ، ويُثِيبُهُمْ بِالأجْرِ العظِيمِ، وهُو الجزاءُ المُضاعفُ على الإِيمانِ والعملِ الصّالِحِ، فضْلًا مِنْهُ ورحْمةً مِنْ لدُنْهُ [1] .
لقد نهى اللّه الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام، على الاعتداء. وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم اللّه إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم. فهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل .. وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق. فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض! إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء. فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين! والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة. فيقدم له بما يعين عليه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ... »
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 678، بترقيم الشاملة آليا)