أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [16\ 121] .وَقَوْلِهِ - تَعَالَى:أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ الْآيَةَ [36\ 60] .وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي «الْكَهْفِ» . [1]
فى هذا الاستفهام إنكار على أهل الكتاب هذا الموقف الذي يقفونه من شرع الله، وأنهم لا يأخذون منه إلا ما يستجيب لأهوائهم، فهم- والحال كذلك- يريدون أن يتحللوا من كل شرع، ويفلتوا من كل قانون، شأن الحياة الجاهلية التي تحكمها الأهواء، وتسيّرها النزعات الذاتية السائدة فيها، حيث لا مرجع إلى شرع أو قانون. وقوله تعالى: «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» هو تسفيه لأهل الكتاب، وفضح لجهلهم وضلالهم، إذ يعدلون عن شرع الله، ويخرجون عن حكمه، إلى شريعة الجاهلية، وأحكام السفاهة والضلال .. وذلك من حماقة عقولهم، وسفه أحلامهم، إذ أنه لا يعرف فرق ما بين أحكام الله، وأحكام غير الله، إلا من أخلى قلبه من نزعات الهوى، وصفّى مشاعره من وساوس النفاق، ونظر إلى الله بقلب سليم، فعرفه حق معرفته، وقدره حقّ قدره، ورأى أن هدى الله هو الهدى، وأن من اتبع غير سبيله ضل وهلك، ومن سلك سبيله رشد وسعد. [2]
أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل. [3]
ـــــــــــــ
قال تعالى عن بني إسرائيل: {وإِذْ أخذْنا مِيثاقكُمْ لا تسْفِكُون دِماءكُمْ ولا تُخْرِجُون أنفُسكُم مِّن دِيارِكُمْ ثُمّ أقْررْتُمْ وأنتُمْ تشْهدُون (84) ثُمّ أنتُمْ هؤُلاء تقْتُلُون أنفُسكُمْ وتُخْرِجُون فرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيارِهِمْ تظاهرُون عليْهِم بِالإِثْمِ والْعُدْوانِ وإِن يأتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وهُو مُحرّمٌ عليْكُمْ إِخْراجُهُمْ أفتُؤْمِنُون بِبعْضِ الْكِتابِ وتكْفُرُون بِبعْضٍ فما جزاء من يفْعلُ ذلِك مِنكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحياةِ الدُّنْيا ويوْم الْقِيامةِ يُردُّون إِلى أشدِّ الْعذابِ وما اللّهُ بِغافِلٍ عمّا تعْملُون (85) أُولئِك الّذِين اشْتروُاْ الْحياة الدُّنْيا بِالآخِرةِ فلا يُخفّفُ عنْهُمُ الْعذابُ ولا هُمْ يُنصرُون (86) } سورة البقرة
(1) - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 47)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 1112)
(3) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 235)