فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 849

الترف ولا الحرمان .. واليقين بالآخرة هو الضمان ليقظة القلب البشري، وتطلعه إلى ما عند اللّه، واستعلائه على أوهاق الأرض، وترفعه على متاع الحياة الدنيا ومراقبة اللّه في السر والعلن وفي الدقيق والجليل والوصول إلى درجة الإحسان التي سئل عنها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الإِحْسانُ أنْ تعْبُد اللّه كأنّك تراهُ فإِنْ لمْ تكُنْ تراهُ فإِنّهُ يراك» [1] ..

وهؤلاء المحسنون هم الذين يكون الكتاب لهم هدى ورحمة لأنهم بما في قلوبهم من تفتح وشفافية يجدون في صحبة هذا الكتاب راحة وطمأنينة ويتصلون بما في طبيعته من هدى ونور، ويدركون مراميه وأهدافه الحكيمة، وتصطلح نفوسهم عليه، وتحس بالتوافق والتناسق ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. وإن هذا القرآن ليعطي كل قلب بمقدار ما في هذا القلب من حساسية وتفتح وإشراق وبقدر ما يقبل عليه في حب وتطلع وإعزاز. إنه كائن حي يعاطف القلوب الصديقة، ويجاوب المشاعر المتوجهة إليه بالرفرفة والحنين! وأولئك الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم يوقنون بالآخرة .. «أُولئِك على هُدىً مِنْ ربِّهِمْ، وأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون» .ومن هدي فقد أفلح، فهو سائر على النور، واصل إلى الغاية، ناج من الضلال في الدنيا، ومن عواقب الضلال في الآخرة وهو مطمئن في رحلته على هذا الكوكب تتناسق خطاه مع دورة الأفلاك ونواميس الوجود فيحس بالأنس والراحة والتجاوب مع كل كائن في الوجود. [2]

ــــــــــ

2 -الإيمان العميق بالله تعالى:

قال تعالى: {واعْلمُوا أنّما غنِمْتُمْ مِنْ شيْءٍ فأنّ لِلّهِ خُمُسهُ ولِلرّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيتامى والْمساكِينِ وابْنِ السّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمنْتُمْ بِاللّهِ وما أنْزلْنا على عبْدِنا يوْم الْفُرْقانِ يوْم الْتقى الْجمْعانِ واللّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ} [الأنفال:41]

يُبيِّنُ اللهُ تعالى فِي هذِهِ الآيةِ طرِيقة قِسْمةِ المغانِمِ التِي يغْنمُها المُسْلِمُون فِي الحرْبِ. والغنِيمةِ هِي المالُ المأْخُوذُ مِن الكُفّارِ بِإِيجافِ خيْلٍ ورِكابٍ. أمّا الفيْءُ فهُو ما أُخِذ مِنْهُمْ بِغيْرِ ذلِك (أيْ بُدُونِ حرْبٍ أوْ بِدُونِ خُرُوجِ جُيُوشِ المُسْلِمِين إلى الأعْداءِ: كالأمْوالِ التِي يُصالِحُون عليْها، أوْ يمُوتُون عنْها دُون وارِثٍ لهُمْ، والخراجِ ونحْوِ ذلِك) .

يقُولُ تعالى: اعْلمُوا يا أيُّها المُؤْمِنُون أنّ كُلّ ما غنِمْتُمُوهُ مِن الكُفّارِ المُحارِبِين فاجْعلُوا أوّلًا خُمْسهُ للهِ تعالى لِيُنْفِق فِيما يُرْضِيهِ مِنْ مصالِحِ الدّينِ العامّةِ: كالدّعْوةِ لِلإِسْلامِ وإِقامةِ شعائِرِهِ، وعِمارةِ الكعْبةِ

(1) -صحيح البخارى- المكنز [16/ 12] (4777)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3538)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت