يسكبه في القلب من رضى وارتياح. ثم إنه لا يطيق أن يعيش في عالم بلا إيمان. ولا يطيق أن يقعد بلا جهاد لتحقيق عالم يسوده الإيمان. فهو مدفوع دفعا إلى الجهاد. كائنا مصيره فيه ما يكون ..
ولكن اللّه - سبحانه - يعلم أن النفس تضعف، وأن الاندفاع يهبط، وأن الجهد يكل وأن حب السلامة قد يهبط بتلك المشاعر كلها ويقودها إلى الرضى بالواقع الهابط [1] ..
ـــــــــ
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف:14]
يأْمُرُ اللهُ تعالى عِبادهُ المُؤْمِنين بِأنْ يكُونُوا أنْصارًا للهِ فِي جمِيعِ أحْوالِهِمْ: بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وأنْ يسْتجِيبُوا للهِ ولِلرّسُولِ، كما اسْتجاب الحوارِيُّون لِعِيسى حِينما سألهُمْ: منْ يُعِينُني فِي الدُّعْوةِ إِلى اللهِ؟ فقال لهُ الحُوارِيُّون: إِنّهُمْ أنْصارُ اللهِ، وإِنّهُمْ سيُعِينُونهُ وسيُؤازِرُونهُ فِيما يقُومُ بِهِ مِنْ إِبْلاغِ رِسالةِ ربِّهِ، فآمنتْ طائِفةٌ مِنْ بنِي إِسْرائِيل بِرِسالةِ عِيسى، وكفرتْ طائِفةٌ فجحدتْ نُبُوّتهُ، ورمتْهُ وأمّهُ بالبُهْتانِ، وغلتْ فِرقٌ مِنْهُمْ فِي عِيسى، فقالُوا: إِنّهُ اللهُ، أوْ إِنّهُ ابْنُ اللهِ، أوْ إِنّهُ ثالِثُ ثلاثةٍ، ورفعُوهُ مرْتبةِ النُّبُوّةِ. فأيّد اللهُ المُؤْمِنين المُخْلِصِين بِرِسالةِ عِيسى بِنصْرِهِ، وأظْهرهُمْ على منْ عاداهُمْ، وتِلْك سُنّةُ اللهِ فِي خلْقِهِ. [2]
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} [أي:] بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على إقامته على الغير، وجهاد من عانده ونابذه، بالأبدان والأموال، ومن نصر الباطل بما يزعمه من العلم ورد الحق، بدحض حجته، وإقامة الحجة عليه، والتحذير منه.
ومن نصر دين الله، تعلم كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] .ثم هيج الله المؤمنين بالاقتداء بمن قبلهم من الصالحين بقوله: {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} أي: قال لهم عارضا ومنهضا من يعاونني ويقوم معي في نصرتي لدين الله، ويدخل مدخلي، ويخرج مخرجي؟
فابتدر الحواريون، فقالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} فمضى عيسى عليه السلام على أمر الله ونصر دينه، هو ومن معه من الحواريين، {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} بسبب دعوة عيسى والحواريين، وَكَفَرَتْ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4447)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 5051، بترقيم الشاملة آليا)