عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [1] ...
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَحْكِى نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِى فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» [2] .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"إِنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ" [3]
ــــــــــــ
قال تعالى: (ولا تهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقوْمِ إِنْ تكُونُوا تأْلمُون فإِنّهُمْ يأْلمُون كما تأْلمُون وترْجُون مِن اللّهِ ما لا يرْجُون وكان اللّهُ علِيمًا حكِيمًا) (النساء:104)
يأْمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِالجِدِّ فِي قِتالِ الأعْداءِ، وفِي طلبِهِمْ ويُنبِّهُهُمْ إلى أنّهُمْ إنْ كانتْ تُصِيبُهُمْ جِراحٌ، ويأْلمُون مِنْها، فإِنّ أعْداءهُمْ تُصِيبُهُمْ أيْضًا جِراحٌ، ويأْلمُون مِنْها. والفارِقُ الوحِيدُ بيْن المُؤْمِنِ والكافِرِ أنّ المُؤْمِن ينْتظِرُ مِن اللهِ المثُوبة والأجْر، والنّصْر والتّأيِيد، وإِعْلاء كلِمةِ اللهِ، التِي وعدهُ اللهُ بِها على لِسانِ نبِيِّهِ، فِي كِتابِهِ العزِيزِ، والكافِرِ لا ينْتظِرُ شيْئًا مِنْ ذلِك، واللهُ أعْلمُ وأحْكمُ فِيما يفْرِضُهُ ويُقدِّرُهُ .. [4]
إنهن كلمات معدودات. يضعن الخطوط الحاسمة، ويكشفن عن الشقة البعيدة، بين جبهتي الصراع ..
إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة .. ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه .. إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء .. ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء .. إن المؤمنين يتوجهون إلى اللّه بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم .. فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون، لا يتجهون للّه، ولا يرتقبون عنده شيئا في الحياة ولا بعد الحياة ..
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3612)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (3477) .
(3) - شعب الإيمان - (12/ 201) (9277) صحيح وفي ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 352)
(4) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 597، بترقيم الشاملة آليا)