فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 849

مدح، أصله «نعم» و «ما» التي هى نكرة بمعنى شىء، ليفيد هذا التنكير التعميم والشمول .. فكل ما يعظنا به الله، ويدعونا إليه هو خير، وخير مطلق. [1]

ـــــــــ

قال تعالى: {لّيْس الْبِرّ أن تُولُّواْ وُجُوهكُمْ قِبل الْمشْرِقِ والْمغْرِبِ ولكِنّ الْبِرّ منْ آمن بِاللّهِ والْيوْمِ الآخِرِ والْملآئِكةِ والْكِتابِ والنّبِيِّين وآتى الْمال على حُبِّهِ ذوِي الْقُرْبى والْيتامى والْمساكِين وابْن السّبِيلِ والسّآئِلِين وفِي الرِّقابِ وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة والْمُوفُون بِعهْدِهِمْ إِذا عاهدُواْ والصّابِرِين فِي الْبأْساء والضّرّاء وحِين الْبأْسِ أُولئِك الّذِين صدقُوا وأُولئِك هُمُ الْمُتّقُون} (177) سورة البقرة

بعْد أن حوّل اللهُ قِبْلة المُسْلِمِين مِنْ بيْتِ المقْدِسِ إِلى البيتِ الحرامِ، شقّ ذلِك على نُفُوسِ طائِفةٍ مِن المُسْلِمِين، وأخذ اليهُودُ فِي الدّسِّ والنّقْدِ بُغْية زعْزعةِ ثِقةِ المُسِلِمِين بِربِّهِمْ ونبِيِّهِمْ - صلى الله عليه وسلم -،فأوْضح اللهُ فِي عددٍ مِن الآياتِ حِكْمتِهِ مِنْ ذلِك، وهِي: أنّ المُراد أساسًا هُو طاعةُ اللهِ عزّ وجلّ، وامْتِثالُ أوامِرِهِ، والتّوجُّهِ حيثُما أمر ووجّه، فهذا هُو البِرُّ والتّقوى والإِيمانُ الكامِلُ، وليس فِي التّوجُّهِ نحْو المشْرِقِ أوِ المغْرِبِ بِحدِّ ذاتِهِ طاعةٌ ولا بِرٌّ إِنْ لمْ يكُنْ عنْ شرْعِ اللهِ وأمْرِهِ. فالبِرُّ يقُومُ بِالإِيمانِ بِاللهِ، واليومِ الآخِرِ والملائِكةِ، والكِتابِ المُنْزلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، والإيمانِ بِالنّبِيِّين الذِين أرْسلهُمُ اللهُ إِلى النّاسِ، وبِإِنْفاقِ المالِ فِي طاعتِهِ - والإِنْسانُ حيٌ سلِيمٌ صحِيحٌ يأْملُ العيْش، ويخْشى الفقْر - على ذوِي قُرْباهُ، وعلى اليتامى الذِين مات آباؤُهُمْ، وهُمْ صِغارٌ غيْرُ قادِرِين على الكسْبِ، وعلى المساكِينِ الذِين لا يجِدُون ما يكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ ومسْكِنِهِمْ وكُسْوتِهِمْ، وعلى ابنِ السّبيلِ - وهُو المُسافِرُ المُجْتازُ الذِي نفدتْ نفقتُهُ - وعلى منْ يُريدُ سفرًا فِي طاعةِ اللهِ فيُعطى ما يكْفِيهِ فِي ذهابِهِ وإِيّابِهِ، وعلى السّائِلِين الذِين يتعرّضُون لِلسُّؤالِ، وعلى العبيدِ المُكاتبِين الذِين لا يجِدُون ما يُؤدُّونهُ في كِتابتِهِمْ.

كما أنّ البِرّ يقُومُ: بِإِقامةِ الصّلاةِ (وإِتمامِ أفْعالِها بِخُشُوعٍ تامِّ فِي أوْقاتِها وإِتْمامِ رُكُوعِهِا وسُجُودِها) ،وبِدفْعِ الزّكاةِ، وبِالتّمسُّكِ بالعُهُودِ والمواثِيقِ وعدمِ النّكْثِ بِها، وبِالصّبرِ فِي البأْساءِ - أيْ فِي حالِ الفقْرِ - وفِي الضّرّاءِ - أيْ فِي حالِ المرضِ -،والصّبرِ حِين البأْسِ - أيْ فِي حالةِ القِتالِ ولِقاءِ الأعْداءِ-.

فالذِين اتّصفُوا بِالصِّفاتِ المُتقدِّمةِ هُمُ البررةُ الذِين صدقُوا فِي إِيمانِهِمْ، وفازُوا بِرِضا اللهِ.

(وقدْ نصب اللهُ تعالى الصّابِرين على المدْحِ والثّناءِ على الصّبرِ، والحثِّ عليهِ لِشِدّتِهِ، وصُعُوبةِ احِتِمالِهِ على النُّفُوسِ) [2] .

(1) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 819)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 184، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت