وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يُقْدِمُ عَلَى بَعْضِ الْمَعَاصِي، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْدِيدُ الْمِحْنَةِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَدَبًا لَهُ وَأَمَّا تَشْدِيدُ الْمِحْنَةِ عَلَى الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَآلَامَهَا غَيْرُ بَاقِيَةٍ وَأَحْوَالُهَا غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ السَّعَادَاتُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي دَارِ الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُمِيتُ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ، وَيُسْقِمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، فَإِذَا حَسُنَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُبَدِّلَ السَّرَّاءَ بِالضَّرَّاءِ، وَالْقُدْرَةَ بِالْعَجْزِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ صَعِدَ الْجَبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَهَا أَنَا عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ وَالْأَيَّامُ دُوَلٌ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُونَ، فَقَدْ خِبْنَا إِذَنْ وخسرنا. [1]
ــــــــــــ
قال تعالى: {وقاتِلُواْ فِي سبِيلِ اللّهِ الّذِين يُقاتِلُونكُمْ ولا تعْتدُواْ إِنّ اللّه لا يُحِبِّ الْمُعْتدِين} (190) سورة البقرة
هذِهِ أوّلُ آيةٍ نزلتْ فِي القِتالِ فِي المدِينةِ. قال بعْضُ المُفسِّرِين إِنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لبِث بعْد هذِهِ الآيةِ يُقاتِلُ منْ قاتلهُ، ويكُفّ عمّنْ كفّ عنْهُ، حتّى نزلتْ سُورةُ التّوْبةِ، وجاء فِيها: {فاقتلوا المشركين حيْثُ وجدتُّمُوهُمْ} وهذِهِ الآيةُ نزلتْ فِي صُلْحِ الحُديْبِيّةِ، فقدْ خاف المُسْلِمُون أنْ لا تفِي لهُمْ قُريْشٌ بِما اتّفقتْ عليهِ مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فتصُدّهُمْ عنِ المسْجِدِ الحرامِ بِالقُوّةِ وتُقاتِلهُمْ، وكرِه المُسْلِمُون القِتال فِي الشّهْرِ الحرامِ، وفِي البلدِ الحرامِ.
وفِي هذِهِ الآيةِ يأْذنُ اللهُ لِلْمُؤْمِنين فِي قِتالِ المُشْرِكِين إِعْزازًا لِدِينِ اللهِ، وإِعلاءً لِكلِمتِهِ، ويأْمُرُهُمْ بِألاّ يعْتدُوا فِي ذلِك، وأنْ لا يبْدؤُوهُمْ بِالقِتالِ [2] .
وفي أول آية من آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف القتال، والراية التي تخاض تحتها المعركة في وضوح وجلاء: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» ..
إنه القتال للّه، لا لأي هدف آخر من الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة. القتال في سبيل اللّه. لا في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض، ولا في سبيل المغانم والمكاسب ولا في سبيل الأسواق والخامات ولا في سبيل تسويد طبقة على طبقة أو جنس على جنس .. إنما هو القتال لتلك الأهداف المحددة التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام، القتال لإعلاء كلمة اللّه في الأرض، وإقرار منهجه في
(1) - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (9/ 372)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 197، بترقيم الشاملة آليا)