فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 849

فالسلامة أولى! .. إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان .. إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائما فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين: النصر والغلب، أو الشهادة والجنة .. ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف فهناك اللّه .. وهذا ما لا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض! والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه، وأن ترى بنور اللّه وهداه، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها اللّه، وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم اللّه سبحانه للمؤمنين: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» .... وصدق اللّه العظيم .. [1]

ـــــــــ

17 -الهجرة في الله:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) } [النحل/41،42]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الجَزَاءِ الذِي أَعَدَّهُ لِلمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، وَهُمُ الذِينَ فَارَقُوا الدَّارَ وَالإِخْوَانَ وَالخِلاَّنَ، رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ وَحُسْنِ جَزَائِهِ: فَقَالَ إِنَّهُ وَعَدَهُمْ بِالمُجَازَاةِ الحَسَنَةِ فِي الدَّارِ الدُّنْيا وَفِي الدَّارِ الآخِرَةِ، فَأَكْرَمَهُمُ اللهُ بِالسَّكَنِ فِي المَدِينَةِ، وَآتَاهُمُ الرِّزْقَ وَالحَلاَلَ الطَّيِّبَ، وَجَعَلَهُمْ سَادَةً وَأُمَرَاءَ، وَسَيَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِمَّا آتَاهُمْ فِي الدُّنْيا. وَلَوْ كَانَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الهِجْرَةِ يَعْلَمُونَ مَا ادَّخَرَ اللهُ، لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ، مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ، لَمَا تَأَخَّرُوا عَنِ اللَّحَاقِ بِهِمْ. وَهَؤُلاَءِ المُهَاجِرُونَ هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى مَا نَالَهُمْ مِنْ أَذَى قَوْمِهِمْ، وَاحْتَمَلُوهُ مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ، الذِي أَحْسَنَ لَهُمْ العَاقِبَةَ، فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. [2]

وَالَّذِينَ فَارَقُوا قَوْمَهُمْ وَدُورَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ عَدَاوَةً لَهُمْ فِي اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرِهِمْ {مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمُوا} [النحل:41] يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا نِيلَ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بِالْمَكَارِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل:41] يَقُولُ: لَنُسْكِنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْكَنًا يَرْضَوْنَهُ صَالِحًا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} [النحل:41] قَالَ: «هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ حَتَّى لَحِقَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ، ثُمَّ بَوَّأَهُمُ اللَّهُ الْمَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ دَارَ هِجْرَةٍ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2074)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1943، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت