وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل:41] لِنَرْزُقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا، عَنْ مُجَاهِدٍ، {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} [النحل:41] لِنَرْزُقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا"."
عَنِ الْعَوَّامِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَطَاءَهُ يَقُولُ: «خُذْ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذَا مَا وَعَدَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا ذَخَرَهُ لَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل:41] ".وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} [النحل:41] لَنُحِلَّنَّهُمْ وَلَنُسْكِنَنَّهُمْ، لِأَنَّ التَّبَوُّأَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْحُلُولُ بِالْمَكَانِ وَالنُّزُولُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس:93] وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ:"نَزَلَتْ {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [النحل:41] إِلَى قَوْلِهِ: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل:42] فِي أَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ""
وَلَثَوَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى هِجْرَتِهِمْ فِيهِ فِي الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، لِأَنَّ ثَوَابَهُ إِيَّاهُمْ هُنَالِكَ الْجَنَّةُ الَّتِي يَدُومُ نَعِيمُهَا وَلَا يَبِيدُ. فعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ:" {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ} [النحل:41] أَيْ وَاللَّهِ لَمَا يُثِيبَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ جَنَّتِهِ أَكْبَرُ {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل:41] "
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ، وَآتَيْنَاهُمُ الثَّوَابَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، الَّذِينَ صَبَرُوا فِي اللَّهِ عَلَى مَا نَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2] يَقُولُ: وَبِاللَّهِ يَثِقُونَ فِي أُمُورِهِمْ، وَإِلَيْهِ يَسْتَنِدُونَ فِي نَوَائِبِ الْأُمُورِ الَّتِي تَنُوبُهُمْ" [1] "
فهؤلاء الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم، وتعروا عما يملكون وعما يحبون، وضحوا بدارهم وقرب عشيرتهم والحبيب من ذكرياتهم .. هؤلاء يرجون في الآخرة عوضا عن كل ما خلفوا وكل ما تركوا. وقد عانوا الظلم وفارقوه. فإذا كانوا قد خسروا الديار ف «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً» ولنسكننهم خيرا مما فقدوا «وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ» لو كان الناس يعلمون. هؤلاء «الَّذِينَ صَبَرُوا» واحتملوا ما احتملوا «وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» لا يشركون به أحدا في الاعتماد والتوجه والتكلان [2] .
قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات التي سبقتها ذكرت البعث وإمكانيته، وكشفت عن بعض الحكمة من وقوعه في قوله تعالى: «لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ .. » وإذ كان هذا وجها من وجوه الموقف يوم القيامة، ناسب أن يذكر الوجه الآخر، وهو وجه الذين آمنوا بالله، وصدّقوا بآياته .. وأكرم ما في هذا الوجه الكريم هم الذين هاجروا في الله من بعد ما مسّهم الضر، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وذلك بما ساق إليهم
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (14/ 223)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2832)