فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 849

العبد ثم يرزقه. ثم يسأله فضل ما أعطاه. قرضا. يضاعفه .. ثم .. يشكر لعبده الذي أنشأه وأعطاه! ويعامله بالحلم في تقصيره هو عن شكر مولاه .. ! يا للّه!!!

إن اللّه يعلمنا - بصفاته - كيف نتسامى على نقصنا وضعفنا، ونتطلع إلى أعلى دائما لنراه - سبحانه - ونحاول أن نقلده في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة. وقد نفخ اللّه في الإنسان من روحه. فجعله مشتاقا أبدا إلى تحقيق المثل الأعلى في حدود طاقته وطبيعته، ومن ثم تبقى الآفاق العليا مفتوحة دائما ليتطلع هذا المخلوق إلى الكمال المستطاع، ويحاول الارتفاع درجة بعد درجة، حتى يلقى اللّه بما يحبه له ويرضاه. ويختم هذه الجولة بعد هذا الإيقاع العجيب، بصفة اللّه التي بها الإطلاع والرقابة على القلوب: «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. فكل شيء مكشوف لعلمه، خاضع لسلطانه، مدبر بحكمته. كي يعيش الناس وهم يشعرون بأن عين اللّه تراهم، وسلطانه عليهم، وحكمته تدبر الأمر كله حاضره وغائبه. ويكفي أن يستقر هذا التصور في القلوب، لتتقي اللّه وتخلص له وتستجيب [1] .

ـــــــــ

13 -تغييرُ ما بالنفس من شر إلى خير:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11]

إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ، مِنْ خَيْرٍ إِلَى سُوءٍ، إِلاَّ إِذَا غَيَّرُوا مَا هُمْ عَلَيهِ، وَلا يُغَيِّرُ اللهُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ سُوءٍ إِلَى خَيْرٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بَأَنْفُسِهِمْ. وَإِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُصِيبَ قَوْمًا بِشَرٍّ عِقَابًا لَهُمْ، فَلاَ رَادَّ لإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ يَنْصُرُهُمْ مِنْ دُوْنِ اللهِ، أَوْ يَرُدُّ قَضَاءَ اللهِ عَنْهُمْ .. [2]

«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» .. فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم. فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة ... إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم. وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون. ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لا حقا له في الزمان بالقياس إليهم.

وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء لأنهم - حسب المفهوم من الآية - غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء: «وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ» .. يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4486)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1719، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت