فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 849

القيادة القائمة على تحقيق منهج اللّه في الأرض .. والأخوة في اللّه. كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار. الإيثار المنطلق في يسر، المندفع في حرارة، المطمئن الواثق المرتاح.

وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين .. على الإيمان باللّه: ذلك الإيمان المنبثق من معرفة اللّه - سبحانه - وتمثّل صفاته في الضمائر وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحب. الحب الفياض الرائق، والود. الود العذب الجميل، والتكافل. التكافل الجاد العميق .. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا، لولا أنه وقع، لعد من أحلام الحالمين! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان! وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج اللّه في الأرض في كل زمان [1] ..

ـــــــــــــ

6 -يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين:

قال تعالى في سورة المائدة {:يا أيُّها الّذِين آمنُواْ من يرْتدّ مِنكُمْ عن دِينِهِ فسوْف يأْتِي اللّهُ بِقوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونهُ أذِلّةٍ على الْمُؤْمِنِين أعِزّةٍ على الْكافِرِين يُجاهِدُون فِي سبِيلِ اللّهِ ولا يخافُون لوْمة لآئِمٍ ذلِك فضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ من يشاء واللّهُ واسِعٌ علِيمٌ 54} إِنّما ولِيُّكُمُ اللّهُ ورسُولُهُ والّذِين آمنُواْ الّذِين يُقِيمُون الصّلاة ويُؤْتُون الزّكاة وهُمْ راكِعُون {55} ومن يتولّ اللّه ورسُولهُ والّذِين آمنُواْ فإِنّ حِزْب اللّهِ هُمُ الْغالِبُون {56}

يُخْبِرُ اللهُ تعالى عنْ عظِيمِ قُدْرتِهِ ويقُولُ إنّ الذِين يرْتدّون عنْ دِينِهِمْ مِن الإيِمانِ إلى الكُفْرِ، ويتولّوْن عنْ نُصْرةِ دِينِهِ، وإِقامةِ شرِيعتِهِ، فإنّ الله سيسْتبْدِلُ بِهِمْ منْ هُمْ خيْرٌ مِنْهُمْ، وأشدُّ منعةً، وأقْومُ سبِيلًا، يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونهُ، يتّصِفُون بِصِفاتِ المُؤْمِنِين وهِي: العِزّةُ على الكافِرِين، والرّحْمةُ والتّواضُعُ مع المُؤْمِنِين، يُجاهِدُون فِي سبِيلِ اللهِ، ولا يرُدُّهُمْ رادٌّ عنْ إذاعةِ أمْرِ اللهِ، وإِقامةِ حُدُودِهِ، وقِتالِ أعْدائِهِ، يأْمُرُون بِالمعْرُوفِ، وينْهون عنِ المُنْكرِ. ومنِ اتّصف بِهذِهِ الصِّفاِت كان فضْلُ اللهِ عليْهِ كبِيرًا، واللهُ واسِعُ الفضْلِ، علِيمٌ بِمنْ يِسْتحِقُّ ذلِك فيُعْطِيهِ، مِمّنْ لا يسْتحِقُّهُ فيحْرِمُهُ إيّاهُ.

يحُثُّ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين على مُوالاةِ اللهِ ورسُولِهِ والمُؤْمِنِين الصّادِقِين، الذِين يُقِيمُون الصّلاة ويُؤدُّون زكاة أمْوالِهِمْ، ويُساعِدُون المُحْتاجِين مِن الضُعفاءِ والمساكِينِ، وهُمْ دائِمُون الرُّكُوعِ للهِ.

نزلْت هذِهِ الآيةُ فِي عُبادة بْنِ الصّامِتِ حِين برِئ مِنْ مُوالاةِ اليهُودِ، ورضِي بِمُوالاةِ اللهِ ورسُولِهِ.

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 711)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت