فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 849

وهذا هو التقويم الأخير لا لما يخشون فوته من الأمن والأرض والمتاع وحده ولا لما يمن به اللّه عليهم من التمكين والثمار والأمان وحده ولا لما وهبه اللّه للقرى ثم أهلكها بالتبطر فيه وحده. إنما هو التقويم الأخير لكل ما في هذه الحياة الدنيا حتى لو ساغ، وحتى لو كمل، وحتى لو دام، فلم يعقبه الهلاك والدمار. إنه كله «فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها» .. «وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى» خير في طبيعته وأبقى في مدته. «أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» ..

والمفاضلة بين هذا وذاك تحتاج إلى عقل يدرك طبيعة هذا وذاك. ومن ثم يجيء التعقيب في هذه الصيغة للتنبيه لإعمال العقل في الاختيار!

وفي نهاية هذه الجولة يعرض عليهم صفحتي الدنيا والآخرة، ولمن شاء أن يختار: «أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ؟» ..

فهذه صفحة من وعده اللّه وعدا حسنا فوجده في الآخرة حقا وهو لا بد لاقيه. وهذه صفحة من نال متاع الحياة الدنيا القصير الزهيد، ثم ها هو ذا في الآخرة محضر إحضارا للحساب. والتعبير يوحي بالإكراه «مِنَ الْمُحْضَرِينَ» الذين يجاء بهم مكرهين خائفين يودون أن لم يكونوا محضرين، لما ينتظرهم من وراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد!

وتلك نهاية المطاف في الرد على مقالتهم: «إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» فحتى لو كان ذلك كذلك فهو خير من أن يكونوا في الآخرة من المحضرين! فكيف واتباع هدى اللّه معه الأمن في الدنيا والتمكين، ومعه العطاء في الآخرة والأمان؟ ألا إنه لا يترك هدى اللّه إذن إلا الغافلون الذين لا يدركون حقيقة القوى في هذا الكون. ولا يعرفون أين تكون المخافة وأين يكون الأمن. وإلا الخاسرون الذين لا يحسنون الاختيار لأنفسهم ولا يتقون البوار. [1]

ـــــــــــــ

قال تعالى: {إِنّ الّذِين يكْفُرُون بِآياتِ اللّهِ ويقْتُلُون النّبِيِّين بِغيْرِ حقٍّ ويقْتُلُون الّذِين يأْمُرُون بِالْقِسْطِ مِن النّاسِ فبشِّرْهُمْ بِعذابٍ ألِيمٍ (21) أُولئِك الّذِين حبِطتْ أعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا والْآخِرةِ وما لهُمْ مِنْ ناصِرِين (22) } [آل عمران/21،22]

يذُمُّ اللهُ تعالى أهْل الكِتابِ الذِين ارْتكبُوا المآثِم والمحارِم بِكُفْرِهُمْ بِاللهِ وآياتِهِ، وقتلُوا الأنْبِياء والصّالِحِين الذِين يدُعُون إلى اللهِ وإِلى اتِّباعِ الحقِّ. والمقْصُودُون فِي هذِهِ الآيةِ هُمُ اليهُودُ بنُو إِسْرائِيل، الذِين قتلُوا

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3452)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت