فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 849

وما عاد هنالك مجال لسؤال ولا لجواب. إنما هو التهكم والاستهزاء! عند ذلك يفيقون فيشعرون بأن لا مفر ولا مهرب من بأس الله المحيط. وأنه لا ينفعهم ركض، ولا ينقذهم فرار. فيحاولون الاعتراف والتوبة والاستغفار: «قالُوا: يا وَيْلَنا! إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» .. ولكن لقد فات الأوان. فليقولوا ما يشاءون. فإنهم لمتروكون يقولون حتى يقضى الأمر وتخمد الأنفاس: «فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ» .. ويا له من حصيد آدمي، لا حركة فيه ولا حياة وكان منذ لحظة يموج بالحركة، وتضطرب فيه الحياة! [1]

ـــــــــــــ

11.عدمُ الإنابة إلى الله:

قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر:54]

يسْتحِثُّ اللهُ تعالى الذِين أسْرفُوا على أنْفُسِهِمْ إِلى المُسارعةِ إِلى التّوْبةِ، ويقُولُ لهُم: ارْجِعُوا إِلى ربِّكُمْ بِالتّوْبةِ، والعملِ الصّالِحِ قبْل أنْ تحِلّ بِكُمْ نِقمُهُ، وقبْل أنْ ينْزِل بِكُمُ العذابُ، وحِينئِذٍ لا تجِدُون من ْينْصُرُكُمْ مِنْ بأسِ الله. ولا منْ يدْفعُ عنْكُمْ عذابهُ .. [2]

إنه دعوة إلى رحاب الله، بعد أن فتحت الأبواب، ومدت موائد رحمته .. فلم يتبق إلا أن يمد المدعوون أيديهم إلى هذه الموائد، وأن ينالوا منها ما يشتهون .. ومن عظيم لطف لله بعباده، وسابغ برّه بهم، وسعة رحمته لهم، أن لقيهم، وهم على طريق الضلال، وبين مراعى الإثم والمعصية، وأراهم منه- سبحانه- ما بين يديه من رحمة ومغفرة، وأنهم مع ما هم فيه من محاربة له، وعصيان لأمره، واعتداء على حرماته- لا يزالون من عباده، الذين لا تغلق دونهم أبوابه، ولا تحجب عنهم رحمته- ذلك كله قبل أن يطلب- سبحانه وتعالى- إليهم أن يرجعوا إليه، وأن يلقوا الأسلحة التي يحاربونها بها .. إنهم على ما هم عليه عباده، وأبوابه لن تغلق دونهم، ورحمته لن تحجب عنهم، ماداموا في هذه الدنيا .. ألا خسىء من لا يستحى من ربه، فيظل قائما على حربه، على حين يبسط إليه ربه يده، ويظلله بربوبيته، ويمده بنعمه وفضله! فقوله تعالى: «وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» - هو رحمة من رحمة الله، وإفساح لطريق النجاة، بالعودة إلى الله والمصالحة معه، في أية لحظة من لحظات الحياة، قبل أن تدنو ساعة الموت، وينقطع العمل، وينتقل الإنسان إلى الدار الآخرة بما مات عليه في الدنيا .. وعندئذ ينزل الإنسان منزله في الآخرة، بآخر منزل كان عليه في الدنيا .. [3]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3070)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3991، بترقيم الشاملة آليا)

(3) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1181)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت