لا يغفل من شأنها، بل يدعو إلى إعدادها. ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد، والذي لا يملكه إلا المؤمنون باللّه. فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء.
إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام.
وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى. وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة، المستقيمة على منهج اللّه في ظل اللّه [1] .
ـــــــــــــ
قال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) } [الرعد]
لا يسْتوِي المُهْتدِي مِن النّاسِ، الذِي يعْلمُ أنّ الذِي أنْزل عليْك يا مُحمّدُ مِنْ ربِّك هُو الحقُّ، الذِي لا شكّ فِيهِ، مع الضّالِّ، الذِي لا يعْلمُ ذلِك، لأنّهُ يكُونُ كالأعْمى لا يهْتدِي إِلى خيْرٍ، ولا يفْهمُهُ، ولوْ فهِمهُ ما انْقاد إِليْهِ، ولا صدّق بِهِ ولا انْتفع.؟ فالذِين يتّعِظُون ويعْتبِرُون هُمْ أصْحابُ العُقُولِ السّلِيمةِ، والبصائِرِ المُدْرِكةِ (أُولُو الألْبابِ) .
والمُهْتدُون الذِين ستكُونُ لهُمُ العاقِبةُ والنُّصْرةُ، فِي الدُّنْيا والآخِرى، هُمُ الذِين يُوفُون بِعهْدِ اللهِ إِذا عاهدُوا، ولا يُنْقِضُون عهْدهُمْ مع عِبادِهِ، ولا يغْدُرُون بِذِمّةٍ، ولا يفْجُرُون ولا يخُونُون. وهؤُلاءِ المُؤْمِنُون المُهْتدُون يصِلُون الأرْحام التِي أمر اللهُ بِوصْلِها، ويُحْسِنُون إِلى الأقْرِباءِ والفُقراءِ، ويُعامِلُونهُمْ بِالمودّةِ والحُسْنى، ويبْذُلُون المعْرُوف، ويخْشوْن ربّهُمْ فِيما يأْتُون، ويُراقِبُونهُ فِي ذلِك، ويخافُون سُوء الحِسابِ فِي الدّارِ الآخِرةِ، وعدمِ الصّفْحِ عنْ ذُنُوبِهِمْ وخطاياهُمْ. وهؤُلاءِ المُؤْمِنُون المُهْتدُون يصْبِرُون عنِ ارْتِكابِ المحارِمِ والمآثِمِ، ويمْتنِعُون عنْ مُقارفتِها طاعةً للهِ، وتقرُّبًا إِليْهِ، وطمعًا بِمرْضاتِهِ وجزيلِ ثوابِهِ، ويُؤدُّون الصّلاة حقّ أدائِها، ويُنْفِقُون مِمّا رزقهُمُ اللهُ على منْ تجِبْ عليْهِمْ نفقتُهُمْ، مِنْ أقْرِباء ومُحْتاجِين وسائِلِين .. فِي السِّرِّ والعلنِ، لا يمْنعُهُمْ مِنْ ذلِك حالٌ مِن الأحْوالِ، فإِذا آذاهُمْ أحدٌ قابلُوهُ بِالجمِيلِ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3168)