عبقريات من هناك في هذه الحقول الفرعية للحياة! يقدمون لها عبقريات في الإنتاج الصناعي المتفوق، تنحني له الجباه، ويغرقون به أسواقها، ويغطون به على ما عنده من إنتاج؟؟ لقد سبقتهم شعوب كثيرة، في يدها عجلة القيادة في هذا المضمار! يقدمون لها فلسفة مذهبية اجتماعية، ومناهج اقتصادية وتنظيمية من صنع أيديهم، ومن وحي أفكارهم البشرية؟ إن الأرض تعج بالفلسفات والمذاهب والمناهج الأرضية. وتشقى بها جميعا غاية الشقاء! ماذا إذن يقدمون للبشرية لتعرفهم به، وتعترف لهم بالسبق والتفوق والامتياز؟
لا شيء إلا هذه الرسالة الكبيرة. لا شيء إلا هذا المنهج الفريد. لا شيء إلا هذه المنة التي اختارهم اللّه لها، وأكرمهم بها، وأنقذ بها البشرية كلها على أيديهم ذات يوم. والبشرية اليوم أحوج ما تكون إليها، وهي تتردى في هاوية الشقاء والحيرة والقلق والإفلاس! إنها - وحدها - بطاقة الشخصية التي تقدموا بها قديما للبشرية، فأحنت لها هامتها. والتي يمكن أن يقدموها لها اليوم، فيكون فيها الخلاص والإنقاذ.
إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة. وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة. وهي التي تقدم أكبر منهج.
وهي التي تتفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة.
والعرب يملكون هذه الرسالة - وهم فيها أصلاء، وغيرهم من الشعوب هم شركاء - فأي شيطان يا ترى يصرفهم عن هذا الرصيد الضخم؟ أي شيطان؟! لقد كانت المنة الإلهية على هذه الأمة بهذا الرسول وبهذه الرسالة عظيمة عظيمة. وما يمكن أن يصرفها عن هذه المنة إلا شيطان .. وهي مكلفة من ربها بمطاردة الشيطان! [1]
ـــــــــ
قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154]
يُخْبِرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنين بِفضْلِ الشّهادةِ ويقُولُ لهُمْ: إِنّ الشُهداء الذِين يُقْتلُون فِي سبيلِ اللهِ هُمْ أحْياءٌ عِنْد ربِّهِمْ يُرْزقُون بِغيرِ حِسابٍ، ولكِنّ الأحياء لا يشْعُرُون بِذلِك، لأنّ حياتهُمْ ليْستْ فِي عالمِ الحِسِّ الذِي يُدْركُ بِالمشاعِرِ [2] .
إن هنالك قتلى سيخرون شهداء في معركة الحق. شهداء في سبيل اللّه. قتلى أعزاء أحباء. قتلى كراما أزكياء - فالذين يخرجون في سبيل اللّه، والذين يضحون بأرواحهم في معركة الحق، هم عادة أكرم
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 812)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 161، بترقيم الشاملة آليا)