قادر على إعزاز الفئة المؤمنة ليكون بعضها أولياء بعض في النهوض بهذه التكاليف، حكيم في تقدير النصر والعزة لها، لتصلح في الأرض، وتحرس كلمة اللّه بين العباد.
وإذا كان عذاب جهنم ينتظر المنافقين والكافرين، وكانت لعنته لهم بالمرصاد، وكان نسيانه لهم يدمغهم بالضئالة والحرمان. فإن نعيم الجنة ينتظر المؤمنين: «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» .. للإقامة المطمئنة. ولهم فوقها ما هو أكبر وأعظم: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» .. وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الكريم. [1] .
«وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» .. إن لحظة اتصال باللّه. لحظة شهود لجلاله. لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج، ومن ثقلة هذه الأرض وهمومها القريبة. لحظة تنبثق فيها في أعماق القلب البشري شعاعة من ذلك النور الذي لا تدركه الأبصار.
لحظة إشراق تنير فيها حنايا الروح بقبس من روح اللّه .. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات التي تتفق للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء، ليتضاءل إلى جوارها كل متاع، وكل رجاء .. فكيف برضوان من اللّه يغمر هذه الأرواح، وتستشعره بدون انقطاع؟ «ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ... [2]
ـــــــــ
قال تعالى: {يا أيُّها النّاسُ اتّقُوا ربّكُمْ واخْشوْا يوْمًا لا يجْزِي والِدٌ عنْ ولدِهِ ولا موْلُودٌ هُو جازٍ عنْ والِدِهِ شيْئًا إِنّ وعْد اللّهِ حقٌّ فلا تغُرّنّكُمُ الْحياةُ الدُّنْيا ولا يغُرّنّكُمْ بِاللّهِ الْغرُورُ (33) } [لقمان/33]
يُحذِّرُ اللهُ تعالى النّاس مِنْ أهوالِ يومِ القِيامةِ، ويأْمُرُهُمْ بِتقْواهُ لِينُقِذُوا أنفُسهُمْ مِنْ أهْوالِهِ، فهُو يومٌ لا يستطِيعُ فِيهِ أحدٌ نفْع أحدٍ، فلا الوالِدُ يستطيعُ أنْ يفْدِي ابنهُ، ولا المولُودُ يستطِيعُ أنْ يفْدِي والِدهُ، أوْ أنْ
(1) - قلت: هناك أحاديث تفسر بعض هذا الرضوان، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكِ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ بَعْدَهُ أَبَدًا. صحيح البخارى- المكنز [24/ 387] (7518) وصحيح مسلم- المكنز [18/ 156] (7318) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [16/ 470] (7440)
وعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، دَرَجَةٌ منْ فِضَّةٍ أَرْضُهَا فِضَّةٌ وَمَسَاكِنُهَا فِضَّةٌ وَآنِيَتُهَا فِضَّةٌ، وَتُرَابُهَا مِسْكٌ، وَالثَّانِيَةُ: مِنْ ذَهَبٍ، أَرْضُهَا ذَهَبٌ وَمَسَاكِنُهَا ذَهَبٌ، وَآنِيَتُهَا ذَهَبٌ، وَتُرَابُهَا مِسْكٌ وَسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أَذِنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ".تفسير ابن أبي حاتم [7/ 332] (10605) صحيح مرسل
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَمَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا؟ قَالَ: يَقُولُ: رِضْوَانِي أَكْبَرُ".المستدرك للحاكم مشكلا [1/ 70] (276) ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (238) وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4/ 177] صحيح"
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2288)