فليطمئن المؤمنون العاملون على ما لهم عند اللّه، من تكفير للسيئات، وجزاء على الحسنات. وليصبروا على تكاليف الجهاد وليثبتوا على الفتنة والابتلاء فالأمل المشرق والجزاء الطيب، ينتظرانهم في نهاية المطاف. وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف .. [1]
ــــــــــــ
قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) } [القلم:]
فاصْبِرْ يا مُحمّدُ على أذى قوْمِك، وتكْذِيبِهِمْ إِيّاك، فإِنّ الله سيحْكُمُ لك، وسيجْعلُ العاقِبة لك ولأتْباعِك، فِي الدُّنْيا والآخِرةِ، ولا تكُنْ كنبِيِّ اللهِ يُونُس، عليهِ السّلامُ (صاحِبِ الحُوتِ) حِين ذهب مُغاضِبًا قوْمهُ فركِب السّفِينة، ثُمّ اقْترع أهْلُ السّفِينةِ فأْلْقِي فِي البحْرِ، فالتقمهُ الحُوتُ، وطاف بِهِ الحُوتُ أرْجاء المُحِيطاتِ فحِينِئذٍ نادى فِي الظُّلُماتِ، وهُو مُمْتلِئٌ غيْظًا مِنْ قوْمِهِ إِذْ لمْ يُؤْمِنُوا لهُ حِين دعاهُمْ إِلى الإِيمانِ: لا إِله إِلاّ أنْت سُبْحانك إِنِّي كُنْتُ مِن الظّالِمِين.
ولوْلا أنْ تداركتْهُ رحمةُ اللهِ تعالى ونِعْمتُهُ، بِتوْفِيقِهِ لِلْتّوْبةِ، وقبُولِها مِنْهُ، لطُرِح فِي الفضاءِ مِنْ بِطْنِ الحُوتِ، وهُو ملُومٌ مطْرُودٌ مِنْ الرّحْمةِ والكرامةِ.
ولكِنّ نِعْمة ربِّهِ تداركتْهُ، فاصْطفاهُ ربُّهُ، وأوْحى إِليهِ، وجعلهُ مِن المُرْسلِين العامِلِين بِما أمرهُمْ بِهِ ربُّهُمْ. [2]
بهذه الآية، والآيات التي بعدها تختم سورة «القلم» التي كانت معرضا لضلال المشركين، وسفههم، وتطاولهم على رسول الله، كما كانت معرضا للدفاع عن القرآن الكريم، وعن الرسول، وتتويجه بهذا التاج الرباني الذي زينه به الله سبحانه وتعالى، بثنائه عليه، في قوله سبحانه: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .. ثم تتابعت آيات السورة، تتوعد المشركين، وتهددهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، إذا هم لم يستجيبوا للرسول، ولم يتلقوا ما تمتد به إليهم يده، من رزق الله الذي لا يسألهم عليه أجرا ..
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3470)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 5193، بترقيم الشاملة آليا)