فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 849

87 -التطلع إلى ما عند الله دون سواه:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) } [المطففين:29 - 36]

إِنّ المُجْرِمِين الذِين يُعانُون سُوء العذابِ، فِي الآخِرةِ، كانُوا فِي الدُّنْيا يسْخرُون مِن المُؤْمِنِين الذِين أكْرمهُم اللهُ فِي دارِ كرامتِهِ، حِينما كانُوا فِي الدّارِ الدُّنْيا.

وكانُوا إِذا مرُّوا بِالمُؤْمِنِين يسْخرُون مِنْهُمْ ويتغامزون عليْهِمْ بِالعُيُونِ، اسْتِهْزاءً بِهِمْ.

وإِذا رجعُوا إِلى جماعتِهِمْ مِنْ أهْلِ الشِّرْكِ والضّلالِ، رجعُوا مُعْجبِين بِأنْفُسِهِمْ لِما فعلُوهُ بِالمُؤْمِنِين مِن السُّخْرِيةِ والإِيْذاءِ.

وإِذا رأى هؤُلاءِ المُجْرِمُون المُؤْمِنِين قالُوا: إِنّهُمْ ضالُّون إِذْ بدّلُوا دِينهُمْ، وتركُوا ما كان يعْبُدُ آباؤُهُمْ، واتّبعُوا مُحمّدًا ودِينهُ.

واللهُ سُبْحانهُ لمْ يُرْسِلِ الكُفار رُقباء على المُؤْمِنِين، ولمْ يعْهدْ إِليْهِمْ بمُحاسبتِهِمْ على أعْمالِهِمْ، فلا يحقُّ لهُمْ أنْ يعِيبُوا على المُؤْمِنِين أعْمالهُمْ.

وفِي يوْمِ القِيامةِ الذِي يُكرِّمُ فِيهِ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين، ويُخزِي الكافِرِين المُجْرِمِين، فإِنّ المُؤْمِنِين هُمُ الذِين يضْحكُون مِن الكُفّارِ، وما صارُوا إِليهِ مِن الخزْيِ والذّلِّ والعذابِ.

ويكُونُ المُؤْمِنُون المكرّمُون فِي ذلِك اليوْمِ جالِسِين على الأرائِكِ ينْظُرُون.

لِيروا إِنْ كان هؤُلاءِ الكُفّارُ قدْ لقُوا الجزاء الأوْفى، الذِي يسْتحِقُّونهُ على كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِم المُجْرِمةِ، فِي الحِياةِ الدُّنْيا. [1]

والمشاهد التي يرسمها القرآن لسخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا، وسوء أدبهم معهم، وتطاولهم عليهم، ووصفهم بأنهم ظالون .. مشاهد منتزعة من واقع البيئة في مكة. ولكنها متكررة في أجيال وفي مواطن شتى. وكثير من المعاصرين شهدوها كأنما هذه الآيات قد نزلت في وصفها وتصويرها. مما يدل على أن طبيعة الفجار المجرمين واحدة متشابهة في موقفها من الأبرار في جميع البيئات والعصور!! «إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ» .. كانوا .. فقد طوى السياق الدنيا العاجلة الزائلة. فإذا المخاطبون به في الآخرة. يرون نعيم الأبرار الذين آمنوا. وهو يذكر لهم ما كان من أمر

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 5754، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت