فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 849

قريش! وكان النصر الذي دوّى في الجزيرة العربية ورفع راية الإسلام. فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده اللّه للمسلمين! وأين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم من اختيار اللّه لهم؟ واللّه يعلم والناس لا يعلمون! ولقد نسي فتى موسى ما كانا قد أعداه لطعامهما - وهو الحوت - فتسرب في البحر عند الصخرة. «فلمّا جاوزا قال لِفتاهُ آتِنا غداءنا لقدْ لقِينا مِنْ سفرِنا هذا نصبًا. قال: أرأيْت إِذْ أويْنا إِلى الصّخْرةِ فإِنِّي نسِيتُ الْحُوت، وما أنْسانِيهُ إِلّا الشّيْطانُ أنْ أذْكُرهُ واتّخذ سبِيلهُ فِي الْبحْرِ عجبًا .. قال: ذلِك ما كُنّا نبْغِ فارْتدّا على آثارِهِما قصصًا: فوجدا عبْدًا مِنْ عِبادِنا .. » .. وكان هذا هو الذي خرج له موسى. ولو لم يقع حادث الحوت ما ارتدا. ولفاتهما ما خرجا لأجله في الرحلة كلها! وكل إنسان - في تجاربه الخاصة - يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم. ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم. وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذا من اللّه أن فوّت عليه هذا المطلوب في حينه. وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها. ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل.

إن الإنسان لا يعلم. واللّه وحده يعلم. فماذا على الإنسان لو يستسلم؟

إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية. لتؤمن وتسلم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف .. [1]

ـــــــــ

8 -لا يوادُّون من حادّ الله ورسوله:

قال تعالى: {إِنّ الّذِين يُحادُّون اللّه ورسُولهُ أُولئِك فِي الْأذلِّين (20) كتب اللّهُ لأغْلِبنّ أنا ورُسُلِي إِنّ اللّه قوِيٌّ عزِيزٌ (21) لا تجِدُ قوْمًا يُؤْمِنُون بِاللّهِ والْيوْمِ الْآخِرِ يُوادُّون منْ حادّ اللّه ورسُولهُ ولوْ كانُوا آباءهُمْ أوْ أبْناءهُمْ أوْ إِخْوانهُمْ أوْ عشِيرتهُمْ أُولئِك كتب فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمان وأيّدهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ويُدْخِلُهُمْ جنّاتٍ تجْرِي مِنْ تحْتِها الْأنْهارُ خالِدِين فِيها رضِي اللّهُ عنْهُمْ ورضُوا عنْهُ أُولئِك حِزْبُ اللّهِ ألا إِنّ حِزْب اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون (22) } [المجادلة]

إِنّ الذِين يُخالِفُون أوامِر اللهِ، ويُعادُون الله ورسُولهُ ويمْتنِعُون عنِ القِيامِ بِما فرض اللهُ عليْهِمْ، هُمْ فِي جُمْلةِ أهْلِ الذِّلّةِ، لأنّ الغلبة للهِ ولِرسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِين، وسيُلاقُون الذِّلّةُ فِي الدُّنْيا بِالقتْلِ والأسْرِ والإِخْراجِ، وفِي الآخِرةِ بِالخِزْيِ والنّكالِ والعذابِ فِي نارِ جهنّم.

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 461)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت