عددًا مِن أنْبِياءِ اللهِ فِي يومٍ واحِدٍ اسْتِكْبارًا، فعاقبهُمُ اللهُ على ذلِك بِالذِّلّةِ والصّغارِ فِي الدُّنْيا، وبشّرهُمْ بِعذابٍ أليمٍ مُهِينٍ فِي الآخِرةِ، لأنّ هذا هُو جزاءُ جُرْمِهِمْ وصنِيعِهِمْ.
قال رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأبي عُبيْدة بْنِ الجرّاحِ:"يا أبا عُبيْدة قتلتْ بنُو إسْرائيل ثلاثةً وأرْبعين نبِيًا أوّل النّهارِ فِي ساعةٍ واحِدةٍ. فقام مِئةٌ وسبْعُون رجُلًا مِنْ عُبّادِ بني إسْرائيل فأمروا القتلة بِالمعْرُوفِ، ونهوْهُمْ عنِ المُنْكرِ، فقُتِلُوا جمِيعًا مِنْ أخِرِ ذلِك اليوْمِ فهُمْ الذِين ذكر اللهُ عزّ وجلّ" (أخْرجهُ ابْنُ أبي حاتِمٍ) .ويقُولُ تعالى إنّ الذِين يرْتكِبُون هذِهِ المُنْكراتِ يُهْلِكُ اللهُ أعْمالهُمْ ويُبْطِلُها فِي الدُّنْيا، فلا ينالُون عليها حمْدًا، ولا ثناءً مِن النّاس. وقدْ لعنهُمُ اللهُ، وهتك أسْتارهُمْ وأبْدى ما كانُوا يُخْفُون مِنْ قبائِحِ أعْمالِهِمْ، على ألْسِنةِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ. وقدْ أعدّ لهُمْ فِي الآخِرةِ، العذاب الألِيم والخُلُود فِي جهنّم، ولنْ يجِدُوا لهُمْ منْ ينْصُرُهُمْ مِنْ بأسِ اللهِ [1] .
هاتان الآيتان لتقرير أمر واقع .. ففيهما كشف عن جرائم أهل الكتاب من اليهود، الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه، وأشياع أنبيائه، ولهذا أحصت الآيتان الكريمتان، تلك الجرائم الغليظة التي ارتكبوها، وهى الكفر بآيات الله التي حملها إليهم رسل الله، وهى آيات لا يكذّب بها إلا كل معتد أثيم .. كفلق البحر بالعصا، وتفجير الماء من الصخر بها، على يد موسى عليه السّلام .. فكفروا بتلك الآيات وعبدوا العجل من دون الله، وكذلك فعلوا مع الآيات التي أجراها الله سبحانه على يد عيسى- عليه السّلام- من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص .. فكفروا بتلك الآيات، ورموا عيسى بالبهت والشعوذة، حتى دفعهم ذلك إلى السعى في قتله، وتقديمه للمحاكمة والصلب، ولكن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم، وهم يحسبون أنهم صلبوه: «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» (157:النساء) .
فهؤلاء هم الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه، ومنهم زكريا عليه السلام، وقتلوا كثيرا من صلحائهم ودعاة الخير فيهم .. وقد توعدهم الله سبحانه وتعالى بالعذاب الأليم ..
على أن واحدة من هذه الجرائم المنكرة تكفى في تجريم صاحبها، وفى سوقه إلى العذاب الأليم، فالكفر وحده، يحبط كل عمل: «وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ» (104:البقرة) .
والقتل العمد وحده، يوجب الخلود في النار: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا» (93:النساء) فكيف بقتل أنبياء الله ورسله؟.
ولكن ما ذكر من هذه الجرائم هو تسجيل للواقع الذي حدث- كما ذكرنا من قبل- وهو تشنيع على أولئك اليهود الذين وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف المحادّة والخلاف، كما وقف أسلافهم من قبل، مع أنبياء الله فيهم، ورسله إليهم. فما أشبه الأبناء بالآباء، والخلف بالسّلف، في المكر بآيات الله
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 315، بترقيم الشاملة آليا)