فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 849

مشئوم، إن هم ظلّوا على ما هم عليه من عمى وضلال .. «سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ» فلا حظّ لهم في الدنيا ولا في الآخرة .. إذ لا يعصمهم سلطانهم، ولا تمنعهم كثرتهم وقوتهم، من أن يلقوا الهزيمة في هذه الدنيا على يد هؤلاء الذين استضعفوهم واستبدّوا بهم، وهذا من أنباء الغيب التي حملها القرآن عزاء وبشرى للمؤمنين، إذ تلقّوا هذا الوعد الصادق الذي لا يخلف أبدا، فهوّن عليهم البلاء الذي هم فيه، وربط على قلوبهم بالصبر، انتظارا ليوم النصر، وقد جاء تأويل هذا في تلك الخاتمة التي ختمت بها حياة الكفر والكافرين، يوم فتح مكة، يوم جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا.

هذا ما كان ينتظر الكافرين في الدنيا، التي ظنوا أنهم يمسكون منها بالسبب القوىّ الذي لا ينقطع .. أما في الآخرة فالأمر أدهى وأمرّ .. حيث تنتظرهم جهنم بسعيرها المتسعر، وعذابها الأليم .. «وَبِئْسَ الْمِهادُ» . [1]

وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة. وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة .. إن وعد اللّه بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج اللّه، قائم في كل لحظة. ووعد اللّه بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد اللّه الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف.

وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة وتثق في ذلك الوعد وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة وتصبر حتى يأذن اللّه ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم اللّه، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة.

«إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» .. ولا بد من بصر ينظر وبصيرة تتدبر، لتبرز العبرة، وتعيها القلوب. وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!. [2]

وقال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) } [آل عمران:196،197]

لا تنْظُرْ إلى ما أتْرِف فِيهِ هؤُلاءِ الكُفّارُ مِن النِّعْمةِ والغبْطةِ والسُّرُورِ. ولا تعْجبْ مِنْ تصرُّفِهِمْ فِي الأسْفارِ لِلتِّجارةِ والتّكسُّبِ ثُمّ عوْدتِهُمْ سالِمِين إلى أهْلِيهِمْ ودِيارِهِمْ. فإنّهُ متاعٌ قلِيلٌ زائِلٌ، يتمتّعُون بِهِ فِي الحياةِ الدُّنْيا، ثمّ يكُونُ مصِيرُهُمْ إلى جهنّم وبِئْس المُسْتقرُّ والمهْدُ" [3] "

(1) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 410)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 636)

(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 489، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت