تحول الكائن البشري تحويلا تاما في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها. وإن الإنسان ليدهش أحيانا وهو يحاول ألف محاولة، ثم إذا لمسة عابرة تصيب موضعها في الجهاز البشري فينتفض كله بأيسر مجهود، وقد أعيا من قبل على كل الجهود!
وأقرب ما يحضرني للتمثيل لهذه الحالة جهاز الاستقبال عند البحث عن محطة إرسال .. إنك لتحرك المشير مرات كثيرة ذهابا وإيابا فتخطىء المحطة وأنت تدقق وتصوب. ثم إذا حركة عابرة من يدك. فتتصل الموجة وتنطلق الأصداء والأنغام!
إن القلب البشري هو أقرب ما يكون إلى جهاز الاستقبال. وأصحاب الدعوات لا بد أن يحاولوا تحريك المشير ليتلقى القلب من وراء الأفق. ولمسة واحدة بعد ألف لمسة قد تصله بمصدر الإرسال! إنه من السهل على صاحب الدعوة أن يغضب لأن الناس لا يستجيبون لدعوته، فيهجر الناس .. إنه عمل مريح، قد يفثأ الغضب، ويهدىء الأعصاب .. ولكن أين هي الدعوة؟ وما الذي عاد عليها من هجران المكذبين المعارضين؟!
إن الدعوة هي الأصل لا شخص الداعية! فليضق صدره. ولكن ليكظم ويمض. وخير له أن يصبر فلا يضيق صدره بما يقولون!
إن الداعية أداة في يد القدرة. واللّه أرعى لدعوته وأحفظ. فليؤد هو واجبه في كل ظرف، وفي كل جو، والبقية على اللّه. والهدى هدى اللّه.
وإن في قصة ذي النون لدرسا لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتأملوه.
وإن في رجعة ذي النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتدبروها.
وإن في رحمة اللّه لذي النون واستجابة دعائه المنيب في الظلمات لبشرى للمؤمنين: «وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ» .. [1] .
وقال تعالى: {وإِذا سألك عِبادِي عنِّي فإِنِّي قرِيبٌ أُجِيبُ دعْوة الدّاعِ إِذا دعانِ فلْيسْتجِيبُواْ لِي ولْيُؤْمِنُواْ بِي لعلّهُمْ يرْشُدُون} (186) سورة البقرة
يأْمُرُ اللهُ تعالى عِبادهُ بِالاسْتِجابةِ إِليهِ، وبِالقِيامِ بِما أمرهُمْ بِهِ مِن الِإيمانِ والعِباداتِ، كالصّوْمِ والصّلاةِ والزّكاةِ .. لعلّهُمْ يكُونُون مِن المُهْتدِين الرّاشِدِين. [2]
قال الطبري:"وَإِذَا سَأَلَكَ يَا مُحَمَّدُ عِبَادِي عَنِّي أَيْنَ أَنَا؟ فَإِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ أَسْمَعُ دُعَاءَهُمْ، وَأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِيَ مِنْهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي سَائِلٍ سَأَلَ"
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3097)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 193، بترقيم الشاملة آليا)