فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 849

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.

وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.

ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.

فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه. [1]

إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إنما يدعوهم إلى ما يحييهم .. إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة ..

إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة، ومن العبودية لغير اللّه والمذلة للعبد أو للشهوات سواء ..

ويدعوهم إلى شريعة من عند اللّه تعلن تحرر «الإنسان» وتكريمه بصدورها عن اللّه وحده، ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها لا يتحكم فرد في شعب، ولا طبقة في أمة، ولا جنس في جنس، ولا قوم في قوم .. ولكنهم ينطلقون كلهم أحرارا متساوين في ظل شريعة صاحبها اللّه رب العباد.

ويدعوهم إلى منهج للحياة، ومنهج للفكر، ومنهج للتصور يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة، المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان، العليم بما خلق هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء.

ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم، والثقة بدينهم وبربهم، والانطلاق في «الأرض» كلها لتحرير «الإنسان» بجملته وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية اللّه وحده وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له اللّه، فاستلبها منه الطغاة! ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل اللّه، لتقرير ألوهية اللّه سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة ومطاردة هؤلاء المعتدين على

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 318)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت