فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 849

مِنْ أرْجاسِ الجاهِليّةِ، ويُعلِّمُهُمُ القُرآن (الكِتاب) والسُّنّة (الحِكْمة) فقدْ كانُوا قبْل هذا الرّسُولِ فِي غيٍّ وجهالةٍ (ضلالٍ) ظاهِريْنِ لِكُلِّ أحدٍ. [1]

فى هذه الآية الكريمة ما يزكّى الرأى الذي ذهبنا إليه في تفسير قوله تعالى: «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» وهو أن الغلّ من الحقد، لا من الغلول بمعنى الخيانة ..

ففى هذه الآية:

أولا: تذكير النبىّ الكريم بأنه رحمة أرسلها الله للناس، ومنّة منّ الله بها عليهم، بما يتلو عليهم من آيات الله، وبما يفتح لهم من طاقات النور، وبما يفيض عليهم من مواطر الهدى، فيطهرهم من أرجاس الكفر والضلال، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويفتح قلوبهم المظلمة إلى حيث مطالع الهدى والنور، ويوقظ عقولهم النائمة الغافية لتتصل بهذا الكون وتطالع في صفحات الوجود وعلى قسمات الموجودات، بعض ما أبدعت قدرة الخالق العظيم، وما وسع علمه.

وهنا يرى الرسول- مع عظم المسئولية التي يحملها- مدى الخير الذي يسوقه الله على يديه إلى الناس، الذين هو منهم وهم منه، فيحمله ذلك على أن يبالغ في تحرّى الدقة البالغة في ألا يشوب هذه النعمة العظيمة كدر، أو يعلق بها أذى، حتى تصل إلى مكانها من الناس صافية، مشرقة، طيبة ..

وهذا ما يجعل الرسول الكريم مستعدا لتحمّل الأذى في سبيل رسالته، متجاوزا عن كل ما يعرض له في طريقه، من حماقات الحمقى وسفاهات السفهاء، فإذا دعى من ربّه إلى أن يكظم غيظه، ويعفو الناس، ويلين لهم، ويستغفر للمسيئين منهم، وجدت تلك الدعوة الكريمة من قلب الرسول مكانا، ووجد منها الرسول الكريم ما تهفو إليه نفسه، ويناجيه به وجدانه ..

وثانيا: في الآية الكريمة أيضا، يرى المؤمنون ما آتاهم الله من فضله، وما أوسع لهم في برّه وكرمه، إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يعرفون وجهه، ويأنسون إليه، ويتلقون من بين يديه ما يتلّقى هو من ربّه من نفحات ورحمات، يسوقها إليهم، فيعيدهم خلقا جديدا، فإذاهم ناس غير الناس، وقوم غير القوم .. قد أشرقت قلوبهم بنور الحق، واستنارت عقولهم بأضواء المعرفة ..

«وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. وتلك نعم من الله سابغة، وأفضال غامرة، ينبغى أن يذكروها، ويؤدوا شكرها، إيمانا بالله، وجهادا في سبيل الله، وطاعة وولاء لرسول الله، الذي حمل إليهم هذا الخير، وغرسه في مغارسه، ورواه من خفقات قلبه، ومسارب وجدانه. [2]

إن ختام هذه الفقرة بهذه الحقيقة الكبيرة. حقيقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقيمتها الذاتية، وعظم المنة الإلهية بها، ودورها في إنشاء هذه الأمة وتعليمها وتربيتها وقيادتها، ونقلها من الضلال المبين إلى العلم والحكمة والطهارة .. إن هذا الختام يتضمن لمسات قرآنية كثيرة منوعة عميقة:

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 457، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 634)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت